فهذا لويس عوض يقول:"هذه المقارنة التي يعقدها رفاعة الطهطاوي بين الرقص الإفرنجي والرقص الشرقي مقارنة مهمة، لأنه تحمل فيها مسئولية التنديد برقص الغوازي ورقص العوالم في مصر ووسمه بالإنحطاط والشهوانية بينما رفع رقص الإفرنجي إلى مرتبة الرياضة والفن الجميل، فهو بهذا يقول لنا إننا أقرب إلى الفسق في لهونا من الأوروبيين. وهذا عكس الفكرة التي صورها الجبرتي عن المجتمع الفرنسي والمصري المختلط الذي رآه يحتفل بالرقص والغناء في عيد وفاء النيل رجاله مع نسائه".
ويقول أبو حمدان:"والجدير ذكره أن هذا الجدل (أي السفور) وأيضًا الإنتفاضات النسوية التي تحدثنا عنها، وجدت أرضًا خصبة لها بعد الحملة الفرنسية على مصر، حيث شاهدت المرأة المصرية وبأم العين مدى الحرية التي تتمتع بها المرأة الفرنسية من التبجيل الذي تحاط من قبل الرجل".
ويلخص الكاتب المذكور مادحًا فكرة الطهطاوي عن المرأة:"وليس ثمة من دليل أقوى على التخلف والتبرير من تلك المجتمعات (يقصد المجتمعات الإسلامية) التي تحجب عن المرأة حقوقها وتمنعها من ممارسة حريتها. هذه هي باختصار شديد الفكرة التي تبناها رفاعة الطهطاوي حينما كان يدعو إلى تحرر المرأة المصرية أولًا والمرأة العربية الإسلامية ثانيًا".
ونحن بدورنا نحاول أن نلقي الضوء على وضع المرأة في المنظومة الغربية، تلك المرأة التي يبشر بها الطهطاوي العالم الإسلامي!
نظرة رجال الدين المسيحي إلى المرأة:"لقد هال رجال المسيحية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات، و ما آل إليه المجتمع من انحلال أخلاقي شنيع. فاعتبروا المرأة مسؤولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتع بما تشاء من اللهو وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء فقرروا أن الزواج دنس يجب الإبتعاد عنه وأن العزب عند الله أكرم من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأنها يجب أن تستحي من جمالها لأنه سلاح إبليس للفتنة والإغراء. قال القديس (ترتوليان) : إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (حاشا لله) أي الرجل!! وقال القديس (سوستام) : إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة. وفي القرن الخامس اجتمع مجمع (ماكون) للبحث في المسألة التالية: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه؟ أم لها روح؟ وأخيرًا قرروا أنها خلو من الروح الناجية (من عذاب جهنم) ما عدا أم المسيح. ولما دخلت أمم الغرب في المسيحية كانت آراء رجال الدين قد أثرت في نظرتهم للمرأة، فعقد الفرنسيون في عام 586 للميلاد (أي في أيام شباب النبي عليه الصلاة والسلام) مؤتمرًا للبحث: هل تعد المرأة إنسانًا أم غير إنسان؟ وأخيرًا قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب".
هذا عن رجال الدين المسيحي قديما أما في القرون الوسطى:"واستمر احتقار الغربيين للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى حتى إن عهد الفروسية الذي كان يظن فيه أن المرأة احتلت شيئًا من المكانة الإجتماعية حيث كان الفرسان يتغزلون بها ويرفعون من شأنها، لم يكن عهد خير لها بالنسبة لوضعها القانوني والإجتماعي. فقد ظلت تعتبر قاصرة لاحق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها. والحق أن عصر الفروسية يرينا بعض الشواهد الواضحة على هذا الإزدراء، يروى فيها: أن الملكة (بلانشفلور) ذهبت إلى قرينها الملك (بيبيين) تسأله معونة أهل اللورين. فأصغى إليها الملك، ثم استشاط غضبًا، ولطمها على أنفها بجمع يده فسقطت منها أربع قطرات من الدم وصاحت تقول: شكرًا لك. إن أرضاك هذا فأعطني منيدك لطمة أخرى حين تشاء. ولم تكن هذه حادثة مفردة لأن الكلمات على هذا النحو كثيرًا ما تتكرر، كأنها صيغة محفوظة. وكأنما اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها بمشورة!!".
أما عن وضع المرأة في عصر النهضة الصناعية في أوروبا:"ولقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة، إلى عصور الفروسية، إلى مابعدها من طلائع العهد الحديث، ولما تبرح المرأة في منزلة مسفة، لا تفضل ما كانت عليه في الجاهلية العربية، وقد تفضلها منزلة المرأة في تلك الجاهلية. ففي سنة 1790 بيعت امرأة في أسواق انجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليف معيشتها على الكنيسة التي كانت تؤويها. وبقيت المرأة إلى سنة 1882 محرومة من حقها الكامل في ملك العقار وحرية المقاضاة.. وكان تعلّم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال فلما (الياصابات بلاكويل) تتعلم في جامعة جنيف سنة 1849 ـ وهي أول طبيبة في العالم ـ كانت النسوة المقيمات معها يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن من طريقها احتقارًا لها، كأنهن متحرزات من نجاسة يتقين مساسها. ولما اجتهد بعضهم في اقامة معهد يعلم النساء الطب بمدينة (فلادلفيا) الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل التعليم بذلك المعهد وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء... ومن الطريف أن نذكر أن القانون الإنجليزي حتى عام 1805 كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات. فقد حدث أن باع انجليزي زوجته عام 1931 بخمسمائة جنيه. وقال محاميه في الدفاع عنه: إن القانون الإنجليزي قبل مائة عام كان يبيح للزوج أن يبيع زوجته، وكان القانون الإنجليزي عام 1801 يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة. فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام 1805 بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر.!! وقد حدث أن باع ايطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع. ولما قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثامن عشر) وأعلنت تحرير الإنسان من العبودية والمهانة، لم تشمل بحنوها المرأة، فنص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلًا للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص على أن القاصرين هم: الصبي، والمجنون، والمرأة!!. واستمر ذلك حتى عام 1938 حيث عدلت هذه النصوص لمصلحة المرأة، ولاتزال، فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة".
أقول: هكذا كان وضع المرأة في فرنسا وفي أوروبا حتى بعد وفاة الطهطاوي بسبعين سنة!! فإذا كان الطهطاوي يريد أن يحرر المرأة المسلمة على الطريقة الغربية فكان أولى به وهو في باريس أن يطالبهم بتحرير المرأة الفرنسية والأوروبية من رق العبودية للرجل!! فحتى بعد إلغاء انجلترا لقانون بيع الزوجات عام 1805 ظل حال النساء في الغرب مزريًا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 فأي بشارة هذه التي يبشرنا بها الطهطاوي وتلامذته؟!!
لقد كان وضع المرأة المسلمة بالمقارنة بالمرأة الأوربية في عصر الطهطاوي وما قبله وما بعده أفضل بمراحل ولامقارنة البتة بين وضع المرأة المسلمة التي كرمها الله في كتابه العزيز وأكرمتها السنة النبوية أحسن تكريم وبين المرأة الأوروبية التي يتحكم في حالتها مجموعة من العاهات العقلية والعقد النفسية التي أصابت رجل الدين المسيحي الذي أثر على المجتمع الأوروبي عدة قرون برسم صورة نمطية للمرأة تلك الكائن الشرير وذلكم الرجس الذي يجب الإبتعاد عنه واجتنابه على حد زعمهم!!