فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 719

أم ماذا يريد الطهطاوي من تقليد المرأة المسلمة للمرأة الأوروبية؟! هل يريد أن تجاريها في العري والسفور والإبتذال؟!! هل هذا هو تحرير المرأة أم تدميرها؟!

لقد أثمرت دعوة الطهطاوي فبعد خمسين عاما من وفاة الطهطاوي ألف قاسم أمين المتوفى 1908 كتاب (تحرير المرأة) .. وظهرت حمى التقليد الأعمى للمرأة الغربية: فهذه صفية مصطفى فهمي (التي تنسب إلى زوجها سعد زغلول على الطريقة الغربية) تقوم بشبه مسرحية هزلية مستغلة ثورة الشعب ضد الإحتلال الإنجليزي فتقوم بتظاهرة من النسوة تحت قيادتها وتجمع النسوة أمام ثكنات الإنجليز في قصر النيل بالقاهرة (وهو ميدان الإسماعيلية، فبعد هذه الواقعة غيروا اسمه إلى ميدان التحرير احتفالًا بتظاهرة هؤلاء النسوة) ، ويهتفن ضد الإحتلال.. ثم يخلعن الحجاب، ويلقينه في الأرض، ويسكبن عليه الكيروسين، ويشعلن فيه النار.. ويحيا تحرير المرأة!!

لكن ماعلاقة الإحتلال الإنجليزي ومقاومته بخلع الحجاب؟!! رغم أنهن خرجن لابسات الحجاب ضمن طوائف المجتمع التي خرجت في ثورة 1919م.. أكاد أشك أن هناك أمرًا دبر بليل!! فإذا كنت تريدين التحرر فلم التمحك في الرجل - حسب تعبير الأستاذ محمد قطب - وتنسبين نفسك إليه وتتركين اسم أبيك؟!

أقول: ولايزال هذا التقليد الغربي معمولًا به وخاصة في بيوتات ذوي الياقات البيضاء وما يمسى بعلية القوم!! الله يكرم الإنسان: (ادعوهم لآبائهم) .. ويصر الإنسان أن ينسب إلى غير أبيه!! فكأنهم يحرفون الآية (ادعوهم لأزواجهم) !! فماذا يريد هؤلاء الطهطاويون من المرأة المسلمة: إسلامها كرمها أعظم تكريم؛ ذمتها المالية منفصلة عن ذمة زوجها، لاتباع ولاتشترى، هي حرة بتحرير الإسلام لها فهي الأم والأخت والبنت والزوجة والمربية والشاعرة والفقيهة والعابدة والمستشارة.. فماذا (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ..

وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي أنه"عندما أصدر قاسم أمين كتابه تحرير المرأة، قاطعه الناس وحرم الكبراء عليه دخول بيوتهم، وأفتى بعض العلماء أنه خرج عن الإسلام، وكان أحمد لطفي السيد من القلائل الذين وقفوا إلى جانب قاسم أمين، وقال لطفي السيد يومها: (إنه لن تمر على مصر أكثر من خمسين عامًا إلا وتكون المرأة المصرية وزيرة) وسمع الخديوي عباس لهذا الرأي، فقال: (إن لطفي السيد قد جن وأنه يحسن وضعه في السراي الصفراء) والسراي الصفراء هو الإسم الذي كان يطلق على مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية."

وقبل أن تمضي خمسون عامًا على هذا الحديث كانت المرأة المصرية تثبت بالفعل وزيرة للشئون الإجتماعية"وكان من ثمرات الفكر الطهطاوي ظهور جيل من النساء اللائي تفرنجن وفضلن السفور على الحجاب منهن الكاتبة الشهيرة (باحثة البادية) واسمها ملك ناصف ابنة الشيخ حفني ناصف بك، ولدت بالقاهرة سنة 1886م وتلقت مبادئ العلوم في مدارس أولية ثم دخلت المدرسة السنية فنالت الشهادة الإبتدائية في سنة 1900م ثم نالت إجازة التدريس من قسم المعلمات ومارست التعليم في مدارس البنات الأميرية، وتوفيت 1918م، وكانت من الداعيات إلى السفور بعد قاسم أمين، وكانت تفضل السفور على الحجاب ولها كتاب (النسائيات) وكانت تكتب مقالات في تناهض الحجاب ورغم ذلك حافظ إبراهيم بقصيدة منشورة في ديوانه سنة 1918م."

وجاءت نبوية موسى (1890 ـ 1951) وسارت على نفس الدرب فكانت أول ناظرة وأول مفتشة في وزارة المعارف المصرية ولها كتابات عن المرأة وتحريرها!! ولها كتابات أيضًا عن تاريخ الفراعنة وتمجيدها للشخصية المصرية بغض النظر عن الدين!! هكذا تولى الطهطاوي كبر سفور المرأة المسلمة تحت شعار (تحرير المرأة!) وسار على دربه العلمانيون الجدد الذي لم تعجبهم شهادة الجبرتي فغمزوا ولمزوا وهمزوا في هذا المؤرخ الأمين!! وعظموا وبجلوا وشرفوا وكرموا الطهطاوي ومن سار على نهجه لأنه فتح باب الطعن على مبادئ الإسلام وقيمه، فطفقوا يعربدون في مقدسات الإسلام ولا رادع لهم!!

(ج) : استحسانه الغناء والتمثيل والرقص: قال الطهطاوي محسنًا الغناء:"قال بعض الحكماء: فضل الغناء كفضل النطق على الخرس والدينار المنقوش على القطعة من الذهب، وفي بعض كلامهم: إن الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى المتحرك. قال أفلاطون: هذا العلم، يعني علم الموسيقى. لم يضعه الحكماء للهو واللعب، بل للمنافع الذاتية، ولذة الروحانية، وبسط النفس، وترطيب اليبوسات، وتعديل السوداء، وترويق الدم، وقال بعضهم: سميت الأنغام والألحان بالغناء لأن النفس تستغني به عن الملاذ البدنية في حال سماعه"،"فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى (التياتر) و (السكاتاكل) وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع، وفي الحقيقة إن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة، وذلك فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية حتى إن الفرنساوية يقولون إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبه"،"ومن المتنزهات محال الرقص المسماة (البال) وفيه الغناء والرقص، وقلّ إن دخلت في بيت من بيوت الأكابر إلا وقد سمعت به الموسيقى والمغنى، ولقد مكثنا لانفهم لغنائهم معنى أصلًا لعدم معرفتنا بلسانهم".

أقول: نتساءل بدورنا: لماذا ذهبت إلى هذه الملاهي وهذه المسارح وأماكن اللهو والعبث أيها الشيخ الأزهري الوقور؟! وما الداعي لدخولك بيوت الأكابر والأسافل لتشاركهم في طربهم وغنائهم ورقصهم؟! وما هي الأعمال الصالحة التي يتعلمها مرتادوالملاهي بعد جرعات السموم من رقص وتمثيل وخلاعة؟! هل نسي أو تناسى الشيخ الطهطاوي أنه رجل أزهري يعلم حرمة التردد على هذه الأماكن؟! ألم يعلم الشيخ رفاعة أن خلطته وجلوسه لأهل الفن واللهو والطرب خارم من خوارم المروءة؟! أكاد أجزم أنه يعلم ذلك جيدًا.

ويحدثنا فضيلة الشيخ رفاعة الطهطاوي عن فوائد الرقص:"وقد قلنا إن الرقص عندهم من الفنون وقد أشار إليه المسعودي في تاريخه (مروج الذهب) فهو نظير المصارعة في موازنة الأعضاء ودفع قوى بعضها إلى بعض. فليس كل قوي يعرف المصارعة، بل قد يغلبه ضعيف البنية بواسطة الحيل المقررة عندهم، وما كل راقص يقدر على دقائق حركات الأعضاء، وظهر لي أن الرقص والمصارعة وجعلهما شئ واحد يعرف بالتأمل، ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العيافة والشلبنة، لا من الفسق، فلذلك كان دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر لا يشم منه رائحة العهر أبدًا، وكل إنسان يعزم امرأة يرقص معها، فإذا فرغ الراقص عزمها آخر للرقصة الثانية وهكذا، وسواء كان يعرفها أولًا أم لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهن، ولايكفيهن واحد ولا اثنان، بل يحببن رؤية كثير من الناس يرقصن معهن لسآمة أنفسهن بالتعلق بشئ واحد".

ويسترسل الشيخ رفاعة شارحًا بروتوكولات وقواعد الرقص وآدابه وأصوله:"وقد يقع من الرقص رقصة مخصوصة يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمس المرأة أيًا ما كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عد هذا من الأدب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت