فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 719

أقول: إن الطهطاوي لم يتراجع كما يفهم من آرائه المتناقضة، فلو أنه قال رأيه في كتابه الأول تخليص الإبريز ثم تراجع في آخر مؤلفاته مناهج الألباب؛ لقلنا إن الرجل غير رأيه في آخر حياته. لكن الأمر الذي لامراء فيه أن الطهطاوي لم يتراجع ولم يغير رأيه؛ فحالة الإضطراب التي انتابت الرجل هي التي أوقعته في مثل هذه التناقضات. فالرجل متناقض في المؤلف الواحد ففي صدر الكتاب تراه يبدي رأيًا ثم في نفس الكتاب يتناقض مع رأيه السابق!! فالطهطاوي كان يمثل مرحلة انتقالية (مرحلة الإنسلاخ من الإسلام) والتسربل بدين جديد اسمه (العلمانية) !!

وقد فسر الدكتور عمارة محقق الأعمال الكامل هذه الإزدواجية وهذا الإضطراب قائلًا:"إنه لم يدخل معركة فكرية ضد النمط اللاعقلاني الذي كان سائدًا في الدولة العثمانية ـ عصر المماليك والأتراك العثمانية ـ وأيضًا كون الرجل في هذا الحقل يمثل مرحلة الإنتقال، وهي أمور وعوامل أثقلت من خطاه على هذا الدرب، ولم تثقل من خطا الذين جاءوا من بعده، فكانوا امتدادًا متطورًا لكثير من الأفكار التي قدمها هذا الرائد العملاق للإنسان العربي في مطلع عهد هذا الإنسان بحركة البعث والنهضة والإحياء".

أقول: هكذا برر أحد المولعين بالفكر الإعتزالي اضطراب وتناقض الطهطاوي في قدرة العقل على التحسين والتقبيح؟! وما هي الآثار المترتبة على هذا التراجع؟!

أو بمعنى آخر: هل تراجع الطهطاوي عن تحسيناته العقلية للأنموذج الغربي المستورد ومدحه للمجالس التشريعية التي تشرع بغير ما أنزل الله وتحسينه لسن قوانين على غرار المنظومة الغربية؟!! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه للرقص والغناء والتمثبل والموسيقى؟! هل تراجع عن تسحينه لتقييد تعدد الزوجات؟ هل تراجع عن تحسينه لخروج المرأة ومزاحمتها للرجال في ميادين الحياة التي أدت إلى ضياع المرأة وضياع مجتمعاتنا؟!! هل تراجع الطهطاوي عن عدائه للخلافة العثمانية ومدحه لحاكم مصر محمد علي باشا وهو يحارب أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؟! هل تراجع الطهطاوي عن تحسينه لتاريخ الفراعنة وإثارته للنعرة المصرية الفرعونية؟!!

زبدة القول: لم يتراجع الشيخ رفاعة ولم يتب عن اطروحاته في كتبه المذكورة، ومن ثم كانت أفكاره هي اللبنات الأولى للعلمانية العربية الحديثة.

الفصل الرابع -الطهطاوي وإحياء نعرات الجاهلية

وإحلال ولاء الوطن محل الدين والعقيدة

لأول مرة في تاريخ المسلمين تظهر كتابات تتكلم عن الوطنية وللمواطن والتغني بالوطن على حساب الدين. لأول مرة في تاريخ الإسلام تحل رابطة الأرض والعرق والدم والقرابة محل الرابطة الدينية الإيمانية، ولما كانت القضية الوطنية تحتاج إلى سياج يحميها، نبش دعاة التغريب في تاريخ ما قبل الإسلام، من تاريخ الفراعنة والفينيقيين وبابل آشور...إلخ.

لقد تكلم الطهطاوي عن تاريخ الفراعنة بفخر واعتزاز بغية تأكيد مفهوم الولاء والبراء على أساس الأرض والدم والقرابة، فتمجيد تاريخ ما قبل الإسلام كان لتأكيد مصطلحات الجاهلية الجديدة (الوطن/المواطن/الوطنية) .

كانت هذه تقدمة لما سنتناوله في هذا الفصل الذي خصصناه لمناقشة هذه القضية التي تكلم الطهطاوي عنها في مؤلفاته وتعليقنا على آرائه المطروحة والمبثوثة في كتبه.

أولًا: الطهطاوي ومفهوم الوطن والوطنية:

يعرف الطهطاوي الوطن بأنه:"عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج ومجمع أسرته، ومقطع سرته وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمه، وحلت عنه التمائم فيه".

ويقول عن (حقوق المواطن) :"ثم إن ابن الوطن المتأصل به، أو المنتجع إليه، الذي توطن به واتخذه وطنًا، ينسب إليه، تارة إلى اسمه فيقال: مصري مثلًا، أو إلى الأهل فيقال: أهلي، أو إلى الوطن فيقال: وطني، ومعنى ذاك أنه يتمتع بحقوق بلده، وأعظم هذه الحقوق الحرية التامة في الجمعية التأنسية، ولا يتصف الوطني بوصف الحرية إلا إذا كان منقادًا لقانون الوطن ومعينًا على اجرائه، فانقياده لأصول بلده يستلزم ضمنًا ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية، والتمزي بالمزايا البلدية، فبهذا المعنى هو وطني وبلدي، يعني أنه معدود عضوًا من أعضاء المدينة، فهو لها بمنزلة أحد أعضاء البدن، وهذه أعظم المزايا عند الأمم المتمدنة. وقد كان أهالي غالب الأمم محرومين من تلك المزية، التي هي من أعظم المناقب".

ويتحدث عن واجبات الوطن:"فالوطني المخلص في حب الوطن يفدي وطنه بجميع منافع نفسه، ويخدمه ببذل جميع ما يملك، ويفديه بروحه، ويدفع عنه كل من تعرض له بضرر كما يدفع الوالد عن ولده الشر، فينبغي أن تكون نية أبناء الوطن دائمًا متوجهة في حق وطنهم إلى الفضيلة والشرف، ولا يرتكبون شيئًا مما يخل بحقوق أوطانهم وإخوانهم، فيكون ميلهم لما فيه النفع والصلاح، كما أن الوطن نفسه يحمي عن ابنه جميع ما يضره، لما فيه هذه الصفات، فحب الأوطان وجلب المصالح العامة للإخوان من الصفات الجميلة التي تتمكن من كل واحد منهم محبوبًا للآخرين، فما أسعد الإنسان الذي يميل بطبعه لإبعاد الشر عن وطنه ولو بإضرار نفسه، فصفة الوطنية لاتستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضًا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه للوطن، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه".

ويتكلم عن الأخوة في الوطن:"الأخوة الوطنية: فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض، لما بينهم من الإخوة الوطنية فضلًا عن الأخوة الدينية، فيجب أدبًا لمن يجمعهم وطن واحد: التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناءه وثروته، لأن الغنى إنما يتحصل من انتظام المعاملات وتحصيل المنافع العمومية، وهي تكون بين أهل الوطن على السوية".

نلاحظ تبني الطهطاوي للمفهوم الأوروبي للتعريف بالوطن"للمرة الأولى في البيئة الإسلامية نجد كلامًا عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى القومي الحديث في أوروبا، الذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض، يراد اتخاذها وحدة وجودية، يرتبط تاريخها القديم بتاريخها المعاصر، فكوّنا وحدة متكاملة، ذات شخصية مستقلة، تميزها عن غيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين. وللمرة الأولى نجد اهتمامًا بالتاريخ القديم يوجه لتدهيم هذا المفهوم الجديد للوطن".

وهذا سر اهتمام الطهطاوي بتاريخ ماقبل الإسلام وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية.

ثانيًا: تمجيد الطهطاوي لتاريخ الفراعنة:

تحت عنوان حضارة مصر القديمة يقول الطهطاوي:"فقد أجمع المؤرخون على أن مصر عظم تمدنها، وبلغ أهلها درجة عليا في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وإن آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنًا يشاهدها الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج، مع تنوعها كل التنوع، وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية. وفيها بيت فرعون، وهو قطعة واحدة من الحجر وسقفه وفرشه وحيطانه من الحجر الأخضر، وكان لها سبعون بابًا، وهي مدينة المملكة المصرية، وكانت منازل الملوك من القبط الأولى والعماليق ومسكن الفراعنة، ومازال الملك بها إلى أن ملك الروم اليونان ديار مصر، فانتقل كرسي المملكة منها إلى الإسكندرية ومع ذلك لم تزل عامرة إلى أن جاء الإسلام، ثم خربت، وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سرير الملك وكانت أربعة أنهار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت