فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 719

ويستمر الطهطاوي في مدح الفراعنة:"والمصريون من قديم الزمان كانوا منقادين للحكم الملوكي، فكانوا مطيعين لملكهم، وكان الملك منقادًا أيضًا لقوانين المملكة وأصولها، وكانت حكماء مصر تذكر الملوك دائمًا بالحقوق والواجبات، وتحثهم على التمسك بالفضائل الملوكية، وتعلن من يصرفهم عنها من بطانة السوء وأهل النفاق، وكانت الملوك في تلك الأوقات يشتغلون بمطالعة الحكم والآداب والمواعظ، والتواريخ، وكل مايرشد إلى العدل والإستقامة. وكانت مصر منقسمة إلى عمالات (أي محافظات) وعلى كل عمالة حاكم فهذا التقسيم قوى شوكة أمناء الدين وجعلهم مختصين بممارسة العلوم، وبتقنين القوانين الملكية، وبنفوذ الكلمة في الحكومة"،"وأما الديانة عن المصريين فكانت أيضًا مرتبة إذ كان أمناء دينهم يعتقدون ألوهية الذات العليا، وكان لهم أسرار عجيبة، فكانوا لايظهرونها إلا لقليل من الناس، وكان عامة الناس يعبدون الأوثان، ومنشأ عبادتها عندهم أنهم كانوا يؤلهون كل من اخترع أمرًا غريبًا من قانون أو علم أو فن، فكانوا متقدمين في الهندسة والمساحة والآلات الهندسية كعلم الجغرافيا والنجوم".

ويقول في مدح قوانين الفراعنة:"وكانت قوانينهم تميل إلى الحث على العمل، فقطع عرق البطالة والغش والتدليس، وغير ذلك من الموبقات، فمن هذا يفهم تقدمهم في التمدن، وأن مملكتهم في الأزمان السالفة كانت عادلة محترسة مستنيرة بالمعارف".

وفي تعليقه على قصة نبي الله يوسف عليه السلام يقول مادحًا قانون الفرعون:"ويستدل بهذا أيضًا على أن قوانين معاملة الخدم والرقيق كانت عادلة لايسوغ فيها للسيد الذي أساءه عبده كل الإساءة أن ينتقم منه لنفسه، كما يحب ويختار، فهذا يفيد أن الملة كانت متمدنة". ويضيف أيضًا:"فمنه يعلم أنه كان بمصر إذ ذاك أحكام عادلة وحدود مشروعة خالية من الأغراض والنفسيات وهي نتيجة التمدن التام".

أقول: لكن لماذا سجن نبي الله يوسف عليه السلام إذا كانت أحكامهم عادلة؟! ألم يقل عزيز مصر وحاكمها لما تأكد من براءة نبي الله يوسف عليه السلام كما يقول القرآن الكريم: (فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إنّ كيدكن عظيم. يوسفُ أعرضْ عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) فبعد أن تحقق حاكم مصر من صدق يوسف عليه السلام وكذب زوجته يقول لزوجته (إنه من كيدكن) .. (إن كيدكن عظيم) .. ثم يقول للبرئ آمرًا ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع (يوسف أعرض عن هذا) .. ثم يقول العزيز لزوجته بكل هدوء ولين شأن أصحاب القصور وأهل الحكم (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) ..

ويتمادى القوم في غيهم وظلمهم ليوسف عليه السلام فيضعونه في السجن بعدما رأوا الآيات: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) .. يقول الحافظ ابن كثير معلقًا على هذه الآية: (يقول تعالى ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين أي إلى مدة وذلك بعد ما عرفوا براءته وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه وعفته ونزاهته. وذكر السدي أنهم سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها) .

ثم يأتي الطهطاوي بعد ذلك ليقول:"ويستدل بهذا أيضًا على أن قوانين معاملة الخدم والرقيق كانت عادلة لايسوغ فيها للسيد الذي أساءه عبده كل الإساءة أن ينتقم منه لنفسه، كما يحب ويختار، فهذا يفيد أن الملة كانت متمدنة"..

فأي عدل هذا وأي تمدن هذا الذي يتكلم عنه الطهطاوي والقوم قد سجنوا البرئ؟!!

ويقول مادحًا فرعون مصر رمسيس:"من المعلوم أن من أسس في مملكة مصر السعادة والسياسة والأمنية وحفظ حقوق الرعية هو الملك رمسيس الذي اشتهر باسم سيزوستريس وهو الذي شيد في مصر القصور الشامخة والهياكل السامية المنافسة للأطواد الراسخة، واتخذ ما يلزم للوطن من الجسور والقناطر والخلجان، ولم يفارق الدنيا حتى ترك مصر على غاية من الثروة والغنى والسعادة والهنا وكل إنسان شاكر لفعله وعلى تداول الأزمان لازال التاريخ يثني على شمائله وجميل خصاله".

ويزيد في مدح فرعون مصر:"فكان هذا الملك في الحقيقة فخر الدولة المصرية في الأزمان الجاهلية ومصباح تاريخها، اعتنى بتاريخه مؤرخو اليونان، لأنه أول ملك مصري قربهم إلى بلاده، واستمال قلوبهم بتوظيفهم لرئاسة أجناده وخالف عوائد أسلافه، وعامل يونان وآسيا وأوروبا بأخص استعطاف وأقطعهم الإقطاعات من الأراضي المصري، و سوى في الحقوق بينهم وبين الجنود في الوطنية".

من خلال هذا التصور الجديد للوطن والوطنية ضرب الطهطاوي أمثلة للأسوة والقدوة من تاريخ الفراعنة وتعظيمه لفرعون مصر (فخر الدولة المصرية في الأزمان الجاهلية ومصباح تاريخها) !! فأي فخر هذا لملك يفرط في أرضه ويدخل الأجانب ويمنحهم هذه الامتيازات على حساب شعبه وأبناء جلدته!! فهذه دعوى الجاهلية الأولى، ولسنا نتقول على الرجل بل هذه أقواله شاهدة على آرائه الغريبة على عالمنا الإسلامي!!

فالطهطاوي لم يكتف بتحسين التاريخ الفرعوني بل تمادى في إطرائه لدرجة أنه مدح ديانة الفراعنة كما ذكرنا آنفًا. تأمل! هذا الإحياء الجديد لهذه الرمم التي عفا عليها الزمن. إنها دعوى للفرعونية وبعثها من جديد لتأكيد مفهوم الوطن والوطنية والعودة إلى العصبية للأرض والقرابة أي دعوة إلى عدم اعتبار رابطة الإسلام والإيمان التي دعا إليها القرآن الكريم (إنما المؤمنون أخوة) وتكمن خطورة الطهطاوي في كونه عالمًا أزهريًا يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكثير من أبيات الشعر، مما يسهل مهمة تلبيس الحق بالباطل، وهذا نجده واضحًا في قوله:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة، علا مطيته، واستقبل الكعبة، وقال: (والله لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله تعالى، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما خرجت".

أقول: هذا الحنين إلى الديار أمر فطري لاجناح عليه، ولايتناقض وعقيدة الولاء والبراء في الإسلام، لكنه في حالة تعارض الولاءات، فالرسول صلى الله عليه وسلم قدم ولاء العقيدة والإسلام على ولاء الأرض رغم أن مكة خير بقاع الأرض، فهنا انتصر ولاء العقيدة على ولاء الوطن، ومن قبل فعل نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما تعارض ولاء الأبوة والرحم مع ولاء العقيدة قال تعالى: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) وقد كان هذا منهج الصحابة رضوان الله عليهم؛ ففي غزوة بدر تباينت الولاءات، وتمايزت البراءات، فالمهاجرون يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم من المشركين، وهم بنو وطن واحد، وعشيرة واحدة، بل وعائلة واحدة، فهذا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يقتل أباه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقتل خاله، فانتصر ولاء العقيدة على ولاء القرابة والدم والأرض.

وهذا عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي كان حليفًا لليهود يعلن ولاءه لله ورسوله ويتبرأ من حلفائه من يهود بني قينقاع الذين غدروا ونقضوا عهدهم إذ يعلن على الملأ براءته من حلفائه من يهود مظاهرة لله ورسوله قائلًا: (يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله) . هكذا عندما تعارضت مصلحة العقيدة مع المصلحة الشخصية قدم عبادة بن الصامت ولاء العقيدة وأسقط تحت قدميه ولاء المصلحة الشخصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت