فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 719

وقد أفاض القرآن الكريم في هذه القضية وركز على ولاء العقيدة والإيمان فقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لايهدي القوم الظالمين) .

لكن الطهطاوي يتغافل عن هذه الآيات البينات في عقيدة الولاء والبراءة ويضرب بها عرض الحائط ويضّيق المفهوم الواسع للولاء والبراء في العقيدة الإسلامية وينادى برابطة جديدة تحل محل رابطة الإسلام.

ولكي يفصل القرآن مبدأ (الولاء) الذي هو مبدأ أساسي في سياسة الأمة الإسلامي، ويبرر أسباب ما يراه فيه فيقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) فالآية الأولى تحدد من يكون له الولاء والمودة. وهم الله ورسوله، والمؤمنون الذين يباشرون العبادة والطاعة لله. والآية الثانية تعد بنجاح التماسك في الأمة على أساس مثل هذا الولاء.

ثم يستطرد القرآن مبررًا لما حدده هنا فيقول: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبًا ذلك بأنهم قوم لايعقلون) فقد اعتاد الفريقان أن يسخرا من الصلاة عندما يؤذن لها. وسخريتهم من دين المؤمنين على هذا النحو يعبر عن عدم احترامهم للمؤمنين. وليس من حسن السياسة أن يكونوا هم وأهل الكتاب والمشركون على السواء، موضحًا: أن منع المؤمنين والمؤمنات من أن يكون لهم ولاء لغيرهم: يكون الإنسان مواليًا أو صاحب ودّ وصداقة لمن لايحترمه، ولمن يسئ إليه فيما يعتقده. وكما ينهى القرآن عن أن يتجاوز المؤمنون والمؤمنات بولائهم أو صداقتهم وودهم: إخوانهم في الإيمان، إلى غير المؤمنين من أهل الكتاب والمشركين ممن اعتادوا أو ممن شأنهم أن يسخروا من المؤمنين ومن دينهم على السواء، ينهي أيضًا عن أن يتخذ المؤمنون والمؤمنات (خاصة) و (مستشارين) من غير المؤمنين، فيقول: (ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ. قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئًا إن الله بما تعملون محيط) ، وإذا كان القرآن يبرر ما يدعوا إليه المؤمنين والمؤمنات من قبل: من عدم الولاء لغيرهم، بسبب سخرية هؤلاء لدين المؤمنين واستهزائهم بما يؤدونه من عبادة، فإنه يبرر دعوته الثانية إلى المؤمنين والمؤمنات بعدم اتخاذ (بطانة) و (خاصة) و (مستشارين) :

أ) بعدم تقصير هؤلاء من أهل الكتاب والوثنيين أو الماديين الملحدين - إذا ما أصبحوا بطانة للمؤمنين والمؤمنات - فيما يسبب الأزمات والشر والفساد لهم (لايألونكم خبالًا) .

ب) وبالرغبة في التفتيش عما يشق على نفوسهم، ويسبب لهم العنت: (ودوا ماعنتم) .

ج) وبانطواء نفوسهم على البغض والحقد (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) .

د) وبالرغبة في الانتقام منهم: (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) .

هـ) وبأن نجاح المؤمنين يسوؤهم.. بينما يسعدهم اخفاقهم (إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) .

وقد بلور القرآن ما دعا إليه المؤمنين والمؤمنات من مواقف في سياستهم مع غيرهم على الأخص في قوله تعالى: (تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) ، هم في واقع أمرهم أعداء للممؤمنين وأعداء لله جل جلاله لأنهم جميعًا يكفرون بالقرآن كآخر رسالة سماوية.

وقد حذر القرآن المؤمنين بعد أن كفر أعداؤهم بما جاء إليهم من الحق، وهو القرآن الكريم: من أن يمدوا إليهم يد الولاء والمودة.. أو أن يتخذوا منهم خاصة وبطانة لهم. لأن نفوسهم تنطوي على البغض والحقد، لأنهم إن صادقوكم وانفردوا بكم يكشفوا لكم عن عدوانهم وتمتد أيديهم إليكم بالسوء، كما تمتد ألسنتهم، ونهاية مطافهم معكم: أن تعودوا كفارًا وتتحولوا إلى أن تكونوا أتباعًا لهم (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء، ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون) .

فهل يعي المؤمنون سياسة القرآن بالنسبة لأمتهم في تماسكهم.. وبالنسبة لأعدائهم في عدم موالاتهم، واتخاذ بعضهم خاصة له؟. ما أصاب المسلمين بالأمس.. وما يصيبهم اليوم أو غدًا، هو بسبب عدم اتباعهم لسياسة القرآن.. وبقائهم مع حزب الشيطان فياتباع سياسة الهوى والشهوة.

من منطلق هذا المفهوم الجديد للوطن، أعلن الطهطاوي عداءه للخلافة العثمانية، وتغنى ببطولات محمد علي باشا، وأشاد بانتصاراته على العثمانيين وفي ذلك يقول:"وحروبه مع والي عكا معلومة، وجولان جنوده في الشام، وغير الشام مفهومة، ولم تكن من محض العبث، ولا من ذميم تعدي الحدود، إذ جل مقصوده تنبيه أعضاء ملة عظيمة تحسبهم أيقاظًا وهم رقود، والدليل على حسن النية أن هذه الحسنة التي على صورة الجنية، أنتجت أصل وارثي مصر، التي ترتب عليها رفع الإصر"،"ولولا بقاؤه (يقصد محمد علي باشا) (ت 1849) تحت ولاء الدولة العلية، ومراعاة حفظ الحالة الراهنة عليه من الراجحية والمرجوحية، لجال في الفتوحات الخارجة مجال اسكندر الأكبر".

ويشيد محقق الأعمال الكاملة بهذا الفكر التقدمي! لرفاعة الطهطاوي فيقول:"فهو هنا يقدم فكرًا محددًا يرى في العمل العسكري الذي مارسه الجيش المصري ضد العثمانيين، وحرر به أغلب أجزاء المشرق العربي، عملًا لا يدخل في إطار (العبث) أو (التعدي) وإنما هو تنبيه الأمة وإيقاظها من نومها ورقودها، فيا للكهف المظلم للأتراك العثمانيين، هو فكر قومي عربي لانطلب من الطهطاوي أكثر منه في ذلك التاريخ وتلك الظروف".

وانتشرت عدوى الفكر الطهطاوي في عقول أمتنا؛ فيقول أحدهم في معرض مدحه لحرب محمد علي باشا ضد الخلافة العثمانية:"ونحن في نوفمبر 1831 ها هو محمد علي يرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش إلى فلسطين، وهاهو الجيش يتقدم بسرعة من فلسطين إلى باقي أجزاء الشام ـ في تلك الفترة كان لفظ الشام يعني فلسطين ولبنان وسوريا".

ويقول مادحًا الفلاح المصري:"الآن يتحول الفلاح نفسه إلى مقاتل منظم في جيش حديث، يهزم الإمبراطوية التي حكمته من قبل ثلاثة قرون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت