من منطلق المفهوم الجديد للوطن نادى الطهطاوي بتقعيد اللهجة العامية والاعتناء بها، وحقق مشروعه بتعريبه لصحيفة (الوقائع المصرية) وتشجيعه للكتابة العامية:"وموقف الطهطاوي من اللهجة العامية جدير بالتأمل والدراسة، فقد كان الرجل يستخدم مصطلحاتها عند الترجمة إذا أعوزه المصطلح الفصيح، ويقدم المصطلح العامي على المصطلح المعرب، كما استخدم الكثير من ألفاظها في تأليفه.. وهو قد تحدث عن أهمية تقعيد قواعدها والإستفادة منها في تعليم الصناعات لأبناء الشعب، فقال: إن اللغة المتداولة في بلدة من البلاد، المسماة باللغة الدارجة، التي يقع بها في المعاملات السائرة، لامانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها، وأصول على حسب الإمكان تربطها، ليتعارفها أهل الإقليم، حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيه كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية".
وقد كان الطهطاوي عمليًا فكتبه زاخرة بهذه الألفاظ العامية.. ونلاحظ ذلك جيدًا في مجلة الوقائع التي كان يشرف على تحريرها وتطوير أسلوبها حيث غلبت عليها العامية المصرية.. وهكذا سن الطهطاوي سنة الكتابة بالعامية المصرية في الصحف التي صدرت في وقته وصار الخلف على نفس السنة الطهطاوية إلى وقتنا الحاضر.
أقول: أود أن أشير إلى أن هناك بعض المحاولات قد جرت للكتابة بالعامية بعد الطهطاوي عن طريق نقل أعمال من التراث العالمي أو من الأعمال الأدبية الكلاسيكسة كمسرحيات شكسبير إلى لهجتنا العامية:"مثل تجربة محمد عثمان جلال لتعريب أعمال من التراث الكلاسيكي الفرنسي للقرن السادس عشر. إذ قام في نهاية القرن التاسع عشر بنقل مسرحيات المؤلف الكوميدي موليير إلى العامية المصرية؛ فترجم أربع مسرحيات هي (تاتوف) وقام يتعريبها بما يتلاءم مع البيئة الثقافية والإجتماعية المصرية، واعطائها عنوان (الشيخ متلوف) وكذلك مسرحية (النساء العاملات) ومسرحيات أخرى من هذا التراث الفكاهي الساخر. ولم تقف تجربة محمد عثمان جلال عند تعريب التراث الكلاسيكي الكوميدي، بل أقدم على ترجمة وتعريب مسرحيات (راسين) التراجيدية، وجاءت الترجمة لمسرحية (ايستير) و (ايفيجيني) كذلك في صورة أشعار زجلية. وفي نفس هذه الفترة شرع (وليام ولكوكس) بترجمة مقتطفات من روايتي (هنري الرابع) و (هملت) لشكسبير إلى العامية المصرية ونشرها عام 1893م ولكن في أغلب الظن لم يكن ولكوكس يفكر في نقل ما كان يقدمه إلى خشبة المسرح، بل كان هدفه الأساسي هو تعضيد رأيه أن العامية هي أداة التعبير التي يجب على المصريين تبنيها والكتابة بها لجميع أغراض الإتصال".
وتعتبر جريدة (أبو نضارة) أول صحيفة هزلية تكتب بالعامية تنتقد حكم الخديو إسماعيل المتوفى 1879، وهذه الجريدة أسسها جمال الدين الأفغاني المتوفى 1897م الذي يلقب برائد اليقظة في الشرق! وتجاوب معه يعقوب صنوع والشيخ محمد عبده في تحرير هذه الجريدة. وانتشرت الكتابة بالعامية على نطاق واسع وهناك محاولات مستميتة لإقصاء اللغة العربية من حياة الناطقين بها.
لكن الفصحى لم تزل والحمد لله تشغل وظائف الإتصال الأكثر رسمية كتابية كانت أو شفهية، ولم تزل هناك مجالات عملية لاتستخدم إلا الفصحى كالخطابة وحتى الكتابة الإدارية ونقل المعلومات العلمية ووسائل الإتصال الحديثة التي تنقل هذه المعلومات لا تترجم إلا بالفصحى وطالما كان القرآن حيًا لم يرفع من صدور الناس بعد فلن تموت الفصحى مهما حاول أعداؤها الذين يتسترون بالعامية القضاء عليها!!
أما عن العلاقة بين الوطنية وتمجيد ماقبل الإسلام:
لقد كان من لوازم مفهوم الوطنية أن نبش الطهطاوي في تاريخ ما قبل الإسلام وإحياءه نعرات الجاهلية كالفرعونية، واعتبارها امتدادًا طبيعيًا لتاريخ المصريين مع الحض على تعظيمها، مما أدى فيما بعد إلى إحياء طقوس حرمها الإسلام وأبطلتها الشريعة الإسلامية الغراء كالإحتفال بيوم وفاء النيل وتقديس الحجارة والمقابر الفرعونية.
وكان من ثمرة ذلك الفكر من الناحية التطبيقية انشاء مدرسة اللسان المصري القديم (اللغة الهيروغليفية) وكان ذلك عام 1879م وكان مديرها الألماني (بروكش باشا) ومنها تخرج أحمد كمال باشا المولود 1851 والمتوفي 1923م وهو أول مصري حمل لواء علم الآثار الفرعونية القديمة وأول مصري يتقن هذا الفن الحديث فهو العربي المصري الأول الذي تلقى هذا العلم من أثري الغرب وعربه وأقام له فلسفة واضحة. وله موسوعات وأبحاث في قواعد اللغة الهيروغليفية وقاموس بمفرداتها. وقد استطاع هذا الرجل أن يحمل الحكومة المصرية على تعليم اللسان المصري لبعض الطلبة المصريين وقد تخرج على يديه مجموعة من أزكي تلاميذ مدرسة المعلمين: مثل سليم حسن عالم الآثار المشهور المتوفى سنة 1961م وسليم حسن هو مكتشف أول مقبرة في الدولة الفرعونية القديمة وهي مقبرة (رع ور) الكاهن الأكبر للوجهين البحري والقبلي. وهو مكتشف الهرم الرابع للجيزة وصاحبته هي الملكة (خنت كاوس) أول مصرية تحمل لقب الملوكية كما يقولون!!
ومحمود حمزة ورمسيس شافعي وغيرهم من علماء الآثار المصريين. ومع ظهور كشوف مقبرة الملك (توت عنخ آمون) عام 1922م تفرعنت الصحف المصرية وظهرت الدعوة إلى احياء طابع الفرعونية في المجتمع المصري.
وقد كان الإهتمام بهذه الحفريات والكشوفات بغية خلق تيار التشرذم والتجزئة في المنطقة، والقضاء على وحدة الأمة حيث سيهتم كل قطر بنفسه ويتقوقع داخل حضارته القديمة فيمجد المصريون الفرعونية، واللبنانيون الفينيقية، والعراقيون الآشورية وهكذا تحل ولاءات الجاهلية محل رابطة العقيدة والدين.
هكذا"نشأت فكرة الوطنية وقتذاك، فكرة تحاول أن تجمع الناس حول المطالبة بحقوقهم، ودعوة إلى الحرية وإلى هدم صرح الظلم والإستعباد. ثم تطورت الفكرة على أيدي أصحاب الثقافة الأوروبية، وبدأت تهاجم الرابطة الدينية وتعتبرها مصدر شر وتفرقة بين أبناء الجنس الواحد. فدعا هذا لفهم الجديد للوطنية إلى أن يهاجمها المتمسكون بالرابطة الدينية، ويعتبرونها خطرًا يهدد وحدة الأقطار الإسلامية ويفرق كلمتها ويهدم تعاطفها ويضعف تكتلها، بما يعرضها للسقوط تحت أقدام الدول الأوروبية الطامعة، واحدة تلو أخرى".
مما لاشك فيه أن هذه الأفكار (اتخاذ الوطن معبودًا من دون الله ) وإحلاله في الشعر والأناشيد محل الدين، وقد ظهر ذلك جليًا في قصائد زوج ابنته - صالح مجدي بك - الذي سار على منهج أستاذه الطهطاوي وحامل أفكاره والمدافع عنه..