فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 719

وكما يقول د. محمد حسين:"وربما كان صالح مجدي من أسبق الشعراء في العصر الحديث إلى ترديد كلمات الوطن والوطنية في شعره بعد أستاذه رفاعة الطهطاوي. وله في آخر ديوانه خمس عشرة مزدوجة سماها (الوطنيات) ، امتدح فيها سعيد باشا والي مصر، وعرضت عليه فأمر بتلحينها والتغني بها بمصاحبة الموسيقى العسكرية في المحافل والمواسم. وهو في هذه الوطنيات يشيد بالوطن محاولًا أن يغرس حبه في القلوب، ويتغنى بأمجاد الأجداد، ويفاخر بجيش البلاد، مبرزًا قوته، معتدًا بشدة بأسه. ولكنه يربط ذلك شخصيًا بشخص سعيد، ويجعله سببًا للتعظيم من شأنه وتحبيبه إلى أبناء جنسه، فمن ذلك قوله في الوطنية: فامتداح الصدر غنوا فهو للأوطان حصن وهو للإيمان ركن ولكم في الحتوف أمن في ميادين الوقائع في الوغى أنتم أسود يا بني الأوطان سودوا ولها بالروح جودوا وادخلوا الأحياء وصيدوا يا بني الأوطان هيا خيموا فوق الثريا واهجروا النوم مليا واطعنوا الضد الأبيا واجدعوا أنف الممانع"،"من الواضح أن الصياغة ليست هي التي تلفت النظر في شعر صالح مجدي. فهو قليل الحظ من هذه الناحية، لا يقارن بشاعر كالبارودي. لكن الذي يلفت النظر في شعره هو هذا الوضوح المبكر للفكرة الوطنية، التي تعتز بمصر وجيش مصر، وتمتلئ حماسًا للحرب والقتال في سبيل مجد الوطن ورفعته".

لقد سار على هذا النهج شاعر النيل حافظ إبراهيم المتوفى 1932 إذ يقول في قصيدته التي نشرت في 15/12/1921م وهذه القصيدة على لسان مصر تتحدث بنفسها:

وقف الخلق ينظرون جميعًا ... كيف أبني قواعد المجد وحي

وبناةُ الأهرام في سالف الدهـ ... ـر كفوني الكلام عند التحدي

أنا تاج العلاء في مفرق ... ... الشرق ودرَّاته فرائدُ عقدي

قل لمن أنكروا مفاخر قومي ... مثل ما أنكروا مآثر وُلْدي

هل وقفتُمْ بقمّة الهرم الأكْ ـبر يومًا فرَيْتُمُ بعضَ جُهْدي

هل رأيتم تلك النقوشَ اللّواتي أعجزتْ طَوْقَ صنعة التحدي

حال لون النهار قديم العهـ ـد وما مسّ لونَها طولُ عهدي

هل فهمتم أسرار ما كان عندي من علوم ٍ مخبوءة ٍ طَيّ بَرْدي

ذاك فن التحنيط قد غلب الدهـ ـر وأبلى البلى وأعجز ندِّي

قد عقدتُ العهودَ من عهد فرعو ن ففي مصر كان أولُ عقد

إنّ مجدي في الأولياتِ عريقٌ من له مثل أُولياتي ومجدي

أنا أمُّ التشريعٍ قد أخذ الرّو مانُ عنّي الأصولَ في كلِّ حدِ

ورصدتُ النجومَ منذ أضاءتْ في سماءِ الدُّجى فأحكمتُ رَصْدي

وشدا (بنتئور) فوق ربوعي قبل عهد اليونان أو عهد (نجدِ)

هكذا يتغنى شاعر فحل مثل حافظ إبراهيم بذلك المعبود الجديد الذي حل محل رابطة الدين والعقيدة!!

وهذا أحمد لطفي السيد المتوفى سنة 1963 الذي يلقبه أتباعه بأستاذ الجيل يوجه رسالة إلى فتيان مصر بشأن الوطنية:"يابني عليك مصرك لا ينفعك إلا مجدها، ولا يذلك إلا ضعفها، ولو قلّبت تاريخها حديثًا على قديم، لما وجدتها في الحقيقة مدينة إلى أحد من الناس، تدعوك الذمة إلى أداء الدين عنها. إنها كانت مطمع الطامعين، يأخذون منافعها بقوة السلاح، أو بقوة العقل، فما أنت مسئول إلا عنها، ولو أنفقت من عواطفك ومن نتائج جهادك العقلي والبدني مثقال ذرة على غيرها، في حين أنها أحوج ماتكون إلى ما أنفقت، لو سمتك بالعقوق. وكما أنك بين أقرانك لك شخصية تجب عليك رعايتها، فإن لوطنك بين الأوطان شخصية أيضًا رعايتها واجبة على أهله، وأن فناءك في إرادة الغير، واهتمامك بأن تكون في رق اختياري، شر من الرق الإضطراري، كذلك اهتمامك بتمجيد غير وطنك، والسعي في انجاحه دون بلادك نقص في وطنيتك، واحتقار لنفسك وأهلك وبلادك، وما الأمم الطبيعية إلا آكل أو مأكول. ولو جعلت وطنك شيوعًا بين من لا تتفق منفعته مع منفعتك دون أن تحدده بحدود بلادك، لكنت عديم الوطن، وحاشاك أن تجهل حقوق وطنط عليك".

وكان أحمد عرابي المتوفى 1911 صاحب الثورة العرابية الشهيرة ضد الإنجليز يستعمل لفظ المصريين والأمة المصرية بمعناه الحديث ويعتبر من ليسوا من أهل البلاد سواء كانوا من الأرمن والأتراك، وسواء أكانوا من المسلمين أو غير المسلمين، أجانب لايحق لهم أن يحكموها وهو أمر جديد - على حد قول الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى - لم يوجد له أثر في التفكير المصري منذ أن احتضنته الموجة المسيحية، وقد قال في هذا في جريدة الأستاذ التي أنشأها عبد الله النديم المتوفى 1896 في بداية حكم الخديو عباس الثاني تحت عنوان (المسلمون والأقباط) مايلي:"هم أبناء مصر الذين ينسبون إليها وتنسب إليهم، لايعرفون غير بلدهمم ولايرحلون لغيرها إلا زيارة... ورغم تقلبات الدولية إخوان الوطنية يتزاورون تزاور أهل البيت ويشارك الجار جاره في أفراحه وأتراحه علمًا منهم أن البلاد تطالبهم بصرف حياتهم في إحيائها بالمحافظة على وحدة الإجتماع الوطني الذي يشمله اسم مصري من غير النظر إلى الإختلاف الديني" (الأستاذ ج1 ص749 وما بعدها) .

ويروي أحمد عرابي باشا عن نفسه قائلًا:"إنني فلاح مصري، وقد اجتهدت قدر طاقتي أن أحقق الإصلاح لوطني الذي أنا من أبنائه ومحبيه. لقد كنت أجتهد في حفظ استقلال بلادي مع نيل الحرية والعدل والمساواة للمساكين الذين أنا خادم لهم. فلسوء البخت لم يتيسر لي الغرض المقصود. وإنني مكتف بشرفي الشخصي الذي سوف يلازمني ماحييت ويبقى بعدي إذا مت. وسوف يرضيني دائمًا أن أنادى بـ (أحمد عرابي المصري) فقط، وبغيرألقاب. لقد ولدت في بلاد الفراعنة وستظل أهراماتهم قبري. إن الأمة المصري بأسرها كانت معي، وصحبة لي، كما أني محب لها أبدًا، فآمل أنها لاتنساني".

وفي مقالة بعنوان (دروس الوطنية التي أخذها مصطفى كامل من النديم) يبين د.عبد المنعم إبراهيم الجميعي أوجه الإختلاف بين مصطفى كامل وأستاذه عبدالله النديم:"رغم أن مصطفى كامل كان تلميذ عبدالله النديم - الذي نادى بأن تكون مصر للمصريين وفضل الوطنية المصرية عما عداها - فقد دعا إلى دعم تبعية مصر لتركيا وضرورة التمسك بالرابطة العثمانية بقوله: (يجب على المصريين أن يتمسكوا أشد التمسك بالرابطة الأكيدة التي تربطهم بالدولة العثمانية) بل وصل به الأمر أن طلب من السلطان ارسال جيوشه لاغراج الإنجليز منها واحتلالها باعتبارها ولاية عثمانية. كما أعلن في خطبة له بباريس بمناسبة عيد جلوس السلطان في 31 من مارس أغسطس 1895 (أن الراية العثمانية هي الراية الوحيدة التي يجب أن نجتمع حولها) . لقد كان الفرق شاسعًا بين سياسة النديم وسياسة مصطفى كامل تجاه الدولة العثمانية، فالنديم فضّل الولاء للوطنية عن الإرتباط بجامعة الدين وعندما تعارضت مصلحة مصر مع مصلحة الدولة العثمانية وقف النديم بجانب مصر، وهاجم سياسة الدولة العثمانية تجاه القضية المصرية، ورفض أن تتنازل مصر عن الإمتيازات التي نالتها بالستقلالها في شئونها الداخلية، بينما نجد مصطفى كامل يطلب من السلطان ارسال جيوش عثمانية لاحتلال مصر وإخراج الإنجليز منها".

هكذا وضع الطهطاوي النطفة الأولى لتخريب الهوية الإسلامية ولتمزيق رابط الدين والعقيدة، فصار المسلم المصري يقاتل المسلم السوداني أو الليبي أو العراقي بحجة الدفاع عن الولاء الجديد: الوطن!!

صفوة القول:

لقد كان للشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي أوقل إن شئت (رفاعة بك) السبق والريادة في إدخال العلمنة بما تعنيه هذه الكلمة من تهميش الإسلام، وإقصائه عن إدارة شئون المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت