فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 719

** أولًا سنقسم الموضوع قسمين: فإذا كان من منطلق إسلامي ومن رؤية إسلامية فليس هناك شيء اسمه قضية المرأة، أما إذا كان من منظور المصطلح الذي ترسخ في الساحة فقاسم أمين أطلقوا عليه زورًا"محرر المرأة"، لكن معظم هؤلاء المتشدقين بقاسم أمين وكتبه لا أتصور أنهم قرءوها، فرغم أن له كتابًا اسمه"تحرير المرأة"، وآخر اسمه"المرأة الجديدة"إلا أنه بقراءة متأنية لهذه الكتب نجد أن قاسم أمين كان مشغولًا أكثر بقضية التغريب، ففي كتابه"المصريون"الذي ألفه عام 1898م استفز للرد على"اللوق داركور"، فأسلوب الدفاع كان أسلوبًا انهزاميًا يشعر بالصغر أمام النموذج الأوروبي، لأنه كان أمام مصر طريقان: محاكاة أوروبا، أو العودة إلى الإسلام، وقال قاسم: لقد اختارت مصر"محاكاة أوروبا"، فهو حتى لم يقل التمثل بأوروبا، أو استيحاء التقدم منها، أو الاقتداء بالنماذج الطيبة هناك، وإنما قال"محاكاة"وهذا ما حدث فقد حاكينا أوروبا مثل الببغاوات بلا عقل محاكاة تستحضر الشكل الأوروبي بصفة خاصة.

وفي كل كتب قاسم أمين كانت هذه هي نقطة اهتمامه الرئيسية، وفي هذا الإطار انتقد قاسم أمين وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية، ولا شك أن في هذه المرحلة لم يكن وضع المرأة جيدًا، لأنه كان قد سرقت منها حقوقها الإسلامية للأسف، فبدلًا من أن يبين ما هي حقوق المرأة في الإسلام، وكيف اغتصبت منها؛ ندد بوضع المرأة، واعتبر أن ما حدث للمرأة في المجتمعات الشرقية والإسلامية إنما هو نتيجة المدنية الإسلامية، ولو أنه في كتابه"تحرير المرأة"يبين بوضوح شديد وضع المرأة المتسامي في الإسلام من خلال حق التعليم، وحق اختيار الزوج، وحق الميراث، وغيرها من الحقوق التي كانت قد اغتصبت منها حتى أصبحت المرأة في الفلاحين، وفي الإقطاعيات الكبيرة لا ترث.

والمشكلة هنا أنه لم يقل إن هذه هي حرية المرأة في الإسلام، وأنه يجب تحريرها من خلال حقوقها الإسلامية، وإنما قال: إن المرأة المسلمة فقدت حقوقها، فلتحتذي بالمرأة الأوروبية والغربية.

والاسم العلماني التغريبي لأزمة المرأة المسلمة هو"قضية المرأة"، فكان لا بد أن يكون هناك لافتة براقة كي يتم من ورائها الدس، وقد أوضحت ذلك في كتابي"في مسألة السفور والحجاب"، وفيه فصل كامل عن قاسم أمين كتاجر شنطة ثقافية، لكن الإسلام فيه مساواة بين المرأة والرجل، وهناك حقوق للمرأة واضحة تمامًا، ومحاولة إعادة الحق للمرأة ليس واجبًا نسائيًا، ولكنه واجب كل مسلم ومسلمة، مثل كل شكل من أشكال الظلم، وواجب المسلم أن يزيح الظلم.

* إذن فبداية قاسم أمين لم تكن هي البداية الصحيحة فما هي البداية التي كان يجب أن يبدأ بها هو أو غيره؟

** البداية الصحيحة بدأها"حسن البنا"، فقد كانت هناك جمعية"السيدات المسلمات"التي كانت ترأسها الداعية"زينب الغزالي"، فمد لها يده لدمج العمل، لأنه لا شيء اسمه الرجال وحدهم والنساء وحدهم، فيه قضية واحدة، وفيه أزمة أمام المسلمين ولدت الاحتياج لإقامة جمعية يقف فيها الذكر والأنثى كقوة موحدة، وقد كانت لفته ذكية ومتطورة من"حسن البنا".

وعلى حين كانت بداية قاسم أمين خطأ فقد بدأت"ملك حفني ناصف"بداية صحيحة أيضًا، وخطت خطوة، وكانت معاصرة لقاسم أمين، وكانت دائمًا تهاجم دعوته، لأنها كان لها برنامج كامل في تهذيب المرأة المصرية وتطويرها وتعليمها، فالتي قامت فعلًا بالخطوة العلمية المنهجية كانت ملك حفني ناصف وليس قاسم أمين، وهي محررة المرأة من أرضية إسلامية عقائدية.

* هل لدينا بالفعل قضية للمرأة أم أننا استوردنا أفكارا غربية جاهزة؟

** أكرر مرة أخرى إن كل مسلم عليه أن يمحو أي ظلم يقع على عاتق المرأة ككل المظالم الأخرى، مثل ظلم غياب الشورى، وظلم التعامل بالربا، فأي شيء لا يتحقق فيه الإسلام هو ظلم، ومن ضمن هذه المظالم أن تحرم المرأة من ميراثها، ومن اختيار زوجها، ولماذا يفرض عليها ألا تتعلم وأن تكون كلًا على مولاها؟ وأن تكون معطلة كطاقة غير مفيدة في المجتمع الإسلامي؟، لأن لدينا إطارًا مرجعيًا تاريخيًا يقول لنا: إن المرأة كانت قوة فاعلة دافعة تدافع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتشارك في المعارك، وكانت قوة هامة جدًا، ومن الظلم أن نعتبرها مجرد بلهاء ليس لها دور.

* بعد مرور أكثر من مئة سنة على دعوة قاسم أمين كيف تقيمين نتائجها والأفكار التي نادى بها؟

** لا أستطيع أن أقول: إن قاسم أمين نادى بشيء، ولكنه أحدث شوشرة بأسماء مختلفة عن حقيقتها، فصيغة تحرير المرأة صيغة محببة جدًا، ولكن هذا لم يكن اهتمامه، لقد كان اهتمامه بالتغريب، ومن هنا فأنا لا أستطيع أن أقول قياسًا على قاسم أمين الذي لم يفعل شيئًا كما قلنا، والتي فعلت الفعل الجيد والمهم هي ملك حفني ناصف.

* بعض الأصوات النسائية في الحركة الإسلامية تتبع الأسلوب العلماني الليبرالي فتقول للنساء المسلمات:"استيقظن لتأخذن حقوقكن فلن يعطيها لكن أحد"، وتقول أيضًا:"إن المرأة في تركيا وباكستان أصبحت رئيسة وزراء بل أصبحت رئيسة للجمهورية كما في إندونيسيا وأنتن نيام"هل تعتقدين أن هذه مفردات صحيحة للخطاب النسائي الإسلامي؟

** المفردات في حد ذاتها ليس عليها غبار، فمبدأ أن"الحرية لا تعطي ولكن تؤخذ"مبدأ حقيقي بالنسبة لأي إنسان مكبل، وعليه أن يجاهد ليحصل على حريته، لكن عملية توظيف هذه المفردات في صياغات معينة مقصود بها إساءة فمرفوضة، وكوني أقول للمرأة التي حرمت من ميراثها أو حقها في اختيار الزوج أقول لها: عليك أن تفرضي حقوقك فهذا من حقها - لا بصفتها امرأة ولكن بصفتها إنسانًا مظلومًا - لأن هذا الكلام سأقوله للرجل أيضًا إذا ظلم، وعمومًا فأنا ضد القومية النسائية، لكن أي إنسان مظلوم ذكر أو أنثى عليه أن ينتصر إذا ظلم، فالقرآن يقول: (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) )هذا مبدأ قرآني.

* واقع المرأة في بلد مثل مصر هل ترين أنها تعاني من مشاكل خاصة بها كامرأة؟

** نعم المرأة الشعبية خاصة في مصر مظلومة ظلمًا بينًا، لأن الرجل الشعبي لا يقوم برعايتها وإعالتها، ولا يتحمل مسئوليته تجاهلها، المرأة الشعبية في مصر وهي غير مسلحة بعلم ولا شيء، اللهم إلا مهارتها في المسح والغسل، والتنظيف والطبيخ، هذه المرأة تخرج لتبيع مهارتها الطبيعية، كل ذلك من أجل أن تقيم أودها.

أعرف نساء منهن عملن معي الواحدة منهن إما تعول زوجها، أو أبناءها، أو أخاها، أو تعول ابنتها وزوج ابنتها، وأحيانًا تعول رجال العائلة جميعًا، والحمل كله عليها، فهذا ظلم كبير، هذا فساد، والرجل الشعبي إما مدمن، وإما يستمريء أن يجلس على المقهى يشرب القهوة والشاي، وهو كسول، وإذا أصاب بعض دخل ينفقه على ملذاته ومنها المخدرات، ويمنع عن المرأة وأولادها النفقة، والتي تحمل مسئولية البيت هي المرأة الشعبية، وتعمل من أجل أن تعلم أولادها، وتعطيهم فرصًا أفضل في الحياة.

فهؤلاء النساء من ينتصر لهن وينتصف لهن؟ الرجل الشعبي عندنا لا يتقي الله، ويفهم القرآن الكريم خطأً حينما يقول: (( الرجال قوامون على النساء ) )فهو يفهم منه أن يضرب زوجته، مع أن جوهر القوامة هو الإعالة، فالمرأة مسئولة من أبيها وأخيها، وزوجها وابنها، من الرجل في العائلة.

فإذا أرادت المرأة عن طيب خاطر أن تساعد في دخل البيت بسبب الظروف الاقتصادية فعليها أن تساعد، لا أن تحمل العبء بأكمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت