فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 719

وقد نجد أطفالا قد أتموا حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم قبل دخول المدرسة وخصوصا في الكتاتيب، ويعرف الجميع دور الكتاب أو مكتب تحفيظ القرآن الكريم على مستوى القرى والأحياء الشعبية في حفظ القرآن ونشره في بلادنا على امتداد القرون الطويلة.

كما يعرف عن حكام مصر السابقين أمر اهتمامهم بالكتاتيب، وأبرزهم صلاح الدين الأيوبي، الذي أخذ على عاتقه إصلاح شأن الكتاتيب والاهتمام بها على مدى عشرين عاما قبيل انتصاراته التاريخية الباهرة على الصليبيين وتحرير بيت المقدس.

ومن هنا كانت أولى خطواته تجفيف منابع التدين، حسب المخططات الحديثة لمحاربة الإسلام، مطاردة تلك الكتاتيب وإغلاقها وإضعاف دورها وإهمالها وقطع المعونات المادية عنها وصرف التلاميذ والأطفال بعيدًا عنها وعدم العناية بالمحفظين. وتأتي تلك الضربات من عدة نواحي أبرزها من خلال الغزو الثقافي التغريبي الذي اجتاح البلدان العربية والإسلامية منذ منتصف القرن الماضي والذي سخر الأدب ووسائل الإعلام للنيل من صورة الشيخ محفظ القرآن الكريم وتصويره في القصص والروايات وكذلك في الأفلام والمسلسلات بشكل هزلي كأنه إنسان بشع يتلذذ بضرب الأطفال ويتناول طعامهم وخارج عن السياق الاجتماعي والأخلاقي. وجاءت قصة الأيام لطه حسين والتي كانت مقررة وما زالت على مختلف مراحل التعليم الإعدادي والثانوي في البداية لترسيخ هذه الصورة. وقد تحولت لعمل درامي أخذ أشكالًا مختلفة ووضع صورة نمطية (لسيدنا الشيخ"المحفظ"ومساعده"العريف") وتلا ذلك سيل من الأعمال الأدبية والإعلامية التي سارت على نفس هذا المنهج المنفر من محفظ القرآن ومدرس الدين..

أما بقية الخطة المنظمة لتجفيف منابع الدين وحصار دور الكتاتيب فقد جاءت على عدة محاور أهمها التضييق على المحفظين وإغلاق الأبواب في وجوههم بدلًا من مساعدتهم والاهتمام بشأنهم.

إن هؤلاء المحفظين يعتمدون في معيشتهم على بعض العطايا المتواضعة من أسر الأطفال فقط ولا يستطيعون ممارسة التجارة أو الزراعة أو العمل خارج البلاد، ومن ثم ظلت أحوالهم الاقتصادية متواضعة، حتى أن وزارة الأوقاف كانت قد أقرت لهم مكافآت رمزية لبعض الوقت لكن سرعان ما توقف هذا الدعم المتواضع وقد أدى هذا تباعا إلا أن أبنية الكتاتيب صارت في معظمها قديمة وغير مؤهلة على المستوى الإنشائي والصحي لاستيعاب أعداد كبيرة من الأطفال، وخصوصا أبناء الطبقة المتوسطة وأبناء المتعلمين الذين يطمحون في إلحاق أبنائهم بدور تحفيظ متطورة، ومن ثم لا يجدون بغيتهم في الكتاتيب فيلحقون صغارهم قبل سن المدرسة الابتدائية بدور الحضانات التي بدأت تنتشر في الريف على حساب الكتاتيب وتجد تشجيعا مشبوها من بعض المؤسسات العلمانية.

إن هذه المؤسسات العلمانية وضعت ضمن أهدافها وأولوياتها تشجيع وإقامة دور الحضانات في الريف وتزويدها بالمناهج المختلفة التي تعج بالغث من المواد، ورغم أن هناك العديد من المحاولات التي يقوم بها بعض العلماء وأهل الخير للاهتمام بالكتاتيب من خلال الجمعيات الأهلية التي تساهم في مساعدة المحفظين ببعض الأموال أو تقديم المعونات للنهوض بالأبنية القديمة إلا أنها في النهاية جهود فردية يتم حصارها في كثير من الأحيان.

وتأتي أهمية الكتاتيب دون غيرها من المؤسسات التعليمية الأخرى كونها قائمة على تحفيظ القرآن الكريم بشكل جماعي يساعد على سرعة الحفظ والاستيعاب ويؤكد علماء التربية أن حفظ القرآن في المرحلة العمرية الصغيرة يظل ثابتا في الذاكرة ويقوّم منذ البداية اللسان العربي ويقوي مخارج الحروف.. أما شغل الطفل بحكايات كثيرة وأناشيد وأغاني أو حتى لغة أجنبية أخرى كما يحدث الآن فيؤدي إلى تشتيت الطفل وإحداث خلل في منظومته العلمية والثقافية، ولذا كان للكتاتيب دور حيوي وهام في التواصل مع الأزهر الشريف وإمداده بالأطفال الحافظين وتخريج علماء ودعاه وفقهاء نشروا العلوم الشرعية وأسسوا الجامعات الإسلامية في مختلف البلدان العربية والإسلامية.

مدرسة القرآن ومعلمة الأجيال:

* يقول د. سيد محروس المدرس بجامعة الأزهر: الكتاتيب (جمع كتاب بضم الكاف وتشديد التاء) هي مدرسة القرآن ومعلمة الأجيال، كانت ولا تزال من أخطر وأهم المؤسسات التعليمية التي عنيت بتعليم وتحفيظ القرآن الكريم عبر أجيال متوالية، حافظت على اللغة العربية واستقامة اللسان العربي، وكانت بمثابة الدروع التي حافظت على تراث الأمة في مواجهة مدارس الإرساليات التي غزت عالمنا العربي منذ بدايات القرن التاسع عشر.

ويشير د. سيد محروس إلى أن عدد الكتاتيب في مصر تجاوز الثلاثين ألف في القرى والكفور حيث يوجد في كل قرية ما بين 6-8 دارًا لتحفيظ القرآن الكريم ويوجد في مصر حوالي 2400 قرية بخلاف كتاتيب النجوع والكفور، هذا إلى جانب الكتاتيب الموجودة في الزوايا والمساجد الصغيرة في معظم الأحياء الشعبية بالمدن... وقد نشطت مدارس الإرساليات في بداية القرن التاسع عشر، إلا أنه ومع تنامي الصحوة الإسلامية اشتد الاهتمام العام بدور تحفيظ القرآن التي تطورت في الآونة الأخيرة من ناحية الشكل والبناء.

ومع تنامي وانتشار المدارس الأزهرية اهتم العامة والطبقات المتوسطة بإرسال أطفالهم إلى الكتاتيب للهروب أولًا من المدارس الخاصة وتكاليفها إلى جانب الحرص على التعليم الديني وخاصة للفتيات حيث تم افتتاح معاهد أزهرية خاصة بهن بجانب معاهد البنين القديمة... وفي تطور آخر تبدي وزارة الأوقاف وشئون الأزهر رعاية لمحفظي القرآن الكريم من خلال منحهم مكافآت ودورات تدريبية.

أداة للإشعاع المعرفي:

* يقول د. محمد يحيى (المفكر الإسلامي) : كانت الكتاتيب وما زالت الأداة التعليمية الرئيسية التي ينتقل بها العلم الديني وبالذات القرآن الكريم من جيل إلى جيل كما كانت الأداة التي تشع منها قاعدة التنوير الديني وحفظ القرآن ونشره، وهي كذلك الأداة التي توجد قاعدة من المتعلمين الذين يستطيعون بعد ذلك بسهولة تعميق دراستهم الدينية وإتقان شتى فروع العلوم الإسلامية، كما أن الكتاتيب هي النظام التعليمي المناسب والملائم لاحتياجات المجتمع المتنوعة بحيث كانت تندمج بشكل طبيعي في نشاطات وحياة المجتمع الصغير اليومية، سواء في القرية أو في الحضر كما كانت الكتاتيب نظامًا تعليميًا مجانيًا لا يكلف المجتمع أية أعباء للدراسة فوق أنها تستمد تكاليفها المادية إما من نظام الأوقاف أو من التبرعات البسيطة والجهود التطوعية للمجتمع. هذه الكتاتيب هي النظام التعليمي الأمثل من عدة نواحي، على الأقل من ناحية التعليم الأساسي والأولى، ولا يعني هذا أن فائدة الكتاتيب قد انعدمت في الزمن الحاضر، ذلك لأنها وبالذات من ناحية تعليم وتحفيظ القرآن والأحاديث النبوية والقراءة والكتابة والقيم الاجتماعية والدينية الأساسية، فهي منظومة ضرورية في حياة المجتمع المعاصر ولا يمكن القول مثلًا أن نظام رياض الأطفال أو السنوات الأولى من التعليم الأساسي يمكن أن تحل محل الكتاتيب لأن هذه الأنظمة الحديثة لا تتمتع بنظام الكتاتيب في التعليم المباشر وفي إتقان الجوانب الدينية.

ويشير د. محمد يحيى إلى أن الكتاتيب موجودة في مصر منذ أكثر من خمسة قرون وتنامت وتطورت مع الأزهر الشريف ومعظم علماء الأزهر البارزين والعلماء في شتى العلوم الشرعية المختلفة وحتى الذين برزوا في الآونة الأخيرة في مجالات الطب والفلك والهندسة بدءوا حياتهم التعليمية من الكتاتيب.

نشأة قرآنية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت