أما عربيا فتمثل الدول المغاربية أوضح حالة على التخلف اللغوي والثقافي كما يقول المؤلف حيث سيطرة اللغة الفرنسية شبه المطلقة على الفضاء الثقافي في تلك البلدان.
لكن من الملاحظ أنه رغم تحليل المؤلف للأسباب والخلفيات الاستعمارية التي تسببت في ظاهرة التخلف اللغوي والثقافي، فإنه ينزلق في بعض الأحيان إلى مقولات شبه استشراقية، إذ يقول مثلًا"إن التخلف اللغوي في أفريقيا السوداء يجب أن لا يفسر فقط من خلال الإمبريالية الغربية، بل إن هناك ظروفًا محلية بنيوية للتخلف اللغوي موجودة في تلك البلدان" (صفحة 4) . ويستشهد على ذلك التخلف البنيوي بوجود لغات محلية عديدة جدًا في الكثير من الدول الأفريقية وعدم وجود لغة وطنية واحدة، فضلًا عن وجود لهجات محكية أكثر بما يعقد من الوضع اللغوي.
وحول الوضع اللغوي والثقافي في شمال أفريقيا (تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) يقول المؤلف إنه برغم أن اللغة العربية أصبحت هي اللغة الرسمية المعلنة لهذه البلدان في حقبة ما بعد الاستقلال فإن المكانة المميزة للغة الفرنسية -خاصة في القطاعات الحديثة- وكذا استخدام اللغة المحكية التي هي خليط من العربية والفرنسية، يعكس أحد أهم مظاهر التخلف اللغوي.
ويشير إلى الجهود الرسمية وغير الرسمية في تفعيل سياسات التعريب، لكنه يقول إن هذه السياسات لم تنجح بعد في إزالة التخلف اللغوي، وإعادة الاحترام للغة العربية كلغة وطنية وموحدة للمجتمعات. وهو يرى أن نجاحات سياسات التعريب تعتبر حجر الأساس في القضاء على التخلف الثقافي واللغوي هناك.
وهنا يشير المؤلف إلى أن فرصة الدول المغاربية في التخلص من التخلف اللغوي تظل أكبر بكثير من فرص بقية الدول الأفريقية في القارة السوداء، وذلك لعدة أسباب يراها كالآتي:
اللغة العربية منتشرة ويتم التحدث بها وفهمها من قبل الغالبية الكاسحة في هذه المجتمعات.
اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم الكتاب المقدس عند المسلمين.
قوة اللغة العربية كلغة أثبتت متانتها عبر التاريخ والحضارات، فمن خلالها ترجمت العلوم الإغريقية والرومانية، وهي ليست باللغة الهشة التي يمكن اقتلاعها من الجذور.
وفي نقطة أبعد من التخلف اللغوي المحدد الذي توقف عنده الكتاب، يسهب المؤلف في تحليل التخلف الثقافي ويربطه بالأثر الكبير للغرب وقيمه ومنظومته الفكرية على تشويه وتشتيت منظومات القيم الثقافية والمحلية في العالم الثالث. وهنا يتحدث عن مفهوم"الغزو الثقافي"الذي يعتبره أخطر أنواع الغزو لأنه يمس جوهر حياة الناس التي اعتادوا عليها تاريخيا وتشكل محور الوجدان والانتماء عندهم.
أما على صعيد التخلف النفسي (السيكولوجي) فيلحظ المؤلف كيفية تطور عقدة النقص واحتقار الذات عند مجتمعات العالم الثالث، وخاصة عندما ينظر أفراد هذه المجتمعات إلى الغرب باعتباره النموذج الحضاري الناجح. ويرى المؤلف أن التخلف السيكولوجي يعبر عن نفسه لغويا عبر تبني لغة الطرف القوي المتغلب ومحاولة تقليده.""
سيطرة النمط الرأسمالي على عالم اليوم سواء بدوله المتقدمة أو المتخلفة تعني تكريس الغنى والتقدم للدول المتقدمة وتكريس الفقر والتخلف للمتخلفة""
الفصل الثاني يخصصه المؤلف لمناقشة الرأسمالية وأثرها على التنمية البشرية وخلق التخلف الآخر، وهو يرى أن سيطرة النمط الرأسمالي على عالم اليوم سواء بدوله المتقدمة أو المتخلفة، تعني تكريس الغنى والتقدم للدول المتقدمة وتكريس الفقر والتخلف للدول المتخلفة، لهذا فهو يعلن معارضته لهذا النمط ولا يراه الحل لدول العالم الثالث.
ويناقش المؤلف أولا موضوع الدولة التنموية في العالم الثالث، والنظريات التي تطرح هنا سواء تلك المتعلقة بردم الفجوة التنموية مع العالم المتقدم والسير على خطاه، أو تلك التي تنظر إلى التخلف في العالم الثالث نظرة بنيوية وعلى اعتبار أن اللحاق بالغرب أمر صعب المنال في ظل إشكالية الاعتماد الكلي عليه. ثم يتحدث عن الأثر العميق الذي خلفته الرأسمالية في التطور العالمي، مقرا بإنجازاتها الكبيرة من ناحية، وناقدا لها من ناحية أخرى لما تتركه من آثار سلبية وتشوهات على تطور وتنمية الدول الفقيرة والضعيفة.
لكنه في الوقت ذاته لا يعرض البديل الذي يمكن أن تتبعه هذه الدول ويحقق لها تنمية متعددة المستويات، وخاصة على مستوى التخلف الآخر الذي تعاني منه ويركز عليه المؤلف بكونه على نفس الأهمية من التخلف الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي.
وبانتقاد يشير المؤلف إلى خلو النموذج الرأسمالي من أي مضمون أخلاقي كما يقول، وتحديدا أي بعد ديني يهذب السمات التي يتصف بها مثل الركض وراء الربح بأي وسيلة والطمع وعدم الاهتمام بأي أبعاد إنسانية خلال عملية اللهاث خلف تكديس المنافع المالية. ثم يحلل آلية اشتغال الرأسمالية بتحقيق التنمية من الداخل، ويتشكك في نجاحها في أي مكان وأي منطقة من دون أن ترافقها الشروط التاريخية التي رافقتها في منطقة نشأتها الغربية الأوروبية الأصلية.
والأهم من ذلك يبدأ المؤلف بربط أثر الرأسمالية ونمطها الاقتصادي على"التخلف الآخر"في العالم الثالث، ويقول إن هناك ثلاثة مظاهر للاستعمار لاتزال ماثلة في البلدان التي كانت مستعمرة، وهي تتوزع على المجالات السياسي والاقتصادي والثقافي. وكما كان الوضع أيام الاستعمار التقليدي فإن القوة الاستعمارية المعنية تسيطر على الفضاء السياسي طبعا، وتنصب آلية فوقية مرتبطة بها.
أما اقتصاديا، فهي تدمر الاقتصاد المحلي وتعمل على إنشاء اقتصاد بديل تابع لها بحيث تتحكم في عناصره الأساسية، وفي الغالب الأعم تكون وجهته خدمة القوة الاستعمارية المسيطرة بالدرجة الأولى، ثم السكان المحليين واحتياجاتهم في الدرجة الثانية. وثقافيا، تشتغل القوة الاستعمارية على تفكيك البنى الثقافية واللغوية المحلية، وتحطيم الأنوية الصلبة فيها كالعقائد والتقاليد والأنماط الثقافية الممتدة تاريخيا والتي ينظر إليها الاستعمار كقلاع تتحدى أهدافه الثقافية والسياسية. وخلال السيطرة الكلية هذه تنشأ علاقات اتكالية يقوم من خلالها المستعمَر بتقليد القوة المستعمِرة في الكثير من الأبجدية بما يشوه التكوين الأصلي للثقافة والهوية، وهو منشأ"التخلف الآخر".
أما سياسيا واقتصاديا فقد تكفلت نظرية"الاعتمادية" (dependency) التي تطورت في الأوساط اليسارية العالم ثالثية في ستينات وسبعينات القرن الماضي خاصة في أميركا اللاتينية. ويتوسع المؤلف هنا في موضوع"الرموز الثقافية"سواء الحقيقية المحلية، أو تلك المخلقة التي يصنعها الاستعمار ويفرضها على الثقافة المستعمَرة.
وفي هذا السياق يتطرق إلى نظرية عالم الاجتماع الأميركي الشهير وليام أوغبيرن في أواسط القرن العشرين، بشأن الفجوة الثقافية. أوغبيرن يقول إن التطور الإنساني -خاصة في القرون الأخيرة- امتاز بتباطؤ التطور الثقافي والقيمي عن التطور الاقتصادي والتكنولوجي. ففي كل مرحلة من المراحل، وفي كل منطقة من المناطق نرى أن المجموعات البشرية تتقدم بسرعة معينة في المسارات التقنية والاقتصادية، في حين تكون سرعتها في المسارات الثقافية والقيمية أبطأ بكثير.
ومن هنا فإن ما نراه في العالم الثالث وفي أكثر من مكان في العالم، يتساوق في أكثر من جانب منه مع تنظير أوغبيرن، هذا مع أن المؤلف يرى أن هذه النظرية وإن كانت تصف ما يحدث فإنها تقف عاجزة عن تقديم أسباب لهذا التباطؤ والفجوة بين مسارات التنمية والتقدم المختلفة.