في الفصلين الثالث والرابع يتوسع المؤلف في التطرق إلى مسألة التعريب في شمال أفريقيا وخاصة في تونس والجزائر. وهو إذ يرى ابتداء أن ماكينة التعريب نشطت في هاتين الدولتين في مرحلة ما بعد نشوء دولة الاستقلال، فإنه يلحظ أن جهد التعريب ظل يتخبط من جهة وظل عاجزا عن النفاذ إلى قلب حركة المجتمع.
الجهد الرسمي على صعيد التعريب كان أسرع وأنشط من الجهود غير الرسمية. بل إن الكثير من القطاعات غير الرسمية - خاصة الحداثية - وتلك المرتبطة بفرنسا سواء اقتصاديا أو ثقافيا، لم تتحمس للتعريب وأبقت على استخدام الفرنسية في حياتها اليومية""
والأمر الملفت حقا للانتباه في معالجة المؤلف هو تقديره بأن الجهد الرسمي على صعيد التعريب كان أسرع وأنشط من الجهود غير الرسمية. بل إن الكثير من القطاعات غير الرسمية -خاصة الحداثية- وتلك المرتبطة بفرنسا سواء اقتصاديا أو ثقافيا، لم تتحمس للتعريب وأبقت على استخدام الفرنسية في حياتها اليومية.
ويتعرض المؤلف للشرائح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المختلفة وكيف نظرت إلى التعريب، فالجيش مثلا في البلدين لم يكن متحمسا جدا للتعريب رغم أن المؤسسة العسكرية في الجزائر كانت هي الحاكمة في عهد بومدين مثلا.
وهناك أيضا شرائح المثقفين المتفرنسين وهؤلاء بالتعريف وقفوا ضد التعريب، وساندهم في ذلك ذوو العلاقات الاقتصادية الوثيقة بفرنسا، في حين وقفت شرائح المثقفين التقليديين والمتدينين مع التعريب بكل قوة.
لكن تظل القوة الأساسية في قيادة لواء التعريب وإنجاحه -بحسب ما يرى المؤلف- في أيدي النخبة السياسية الحاكمة. ويشير هنا مثلا إلى أن حركة التعريب وفعاليته كانت أنشط في الجزائر منها في تونس خلال عهدي الرئيسين بومدين وبورقيبة، وهذا كان يعكس الإرادة السياسية للقيادات.
كما تلعب الخلفية الثقافية واللغوية والأيدولوجية لهذه النخبة الدور الحاسم في دفعها أو تباطئها نحو التعريب. ويرى أن تسلط بعض النخب العلمانية والمتفرنسة في الكثير من مراحل الحكم السياسي -خاصة في مجال التعليم والتعليم العالي والثقافة- أثرت على عملية التعريب وأربكتها.
ويقول على سبيل المثال إنه لو وصلت إلى الحكم في هذه البلدان حركات إسلامية فإن حركة التعريب ستشهد نهضة كبيرة جدا، وستنتعش اللغة العربية وتأخذ مركزا محوريا في البلاد.
والمؤلف عموما لا يدعو إلى الانقطاع عن اللغات الأجنبية أو الثقافات الوافدة، لكنه يرى أنه يجب أن يسبق استخدامها والتعامل بها تأمين أرضية ثقافية محلية صلبة. فمن ناحية عملية يشير إلى أمثلة في أوروبا وغيرها وكيف أن اللغة الثانية -والثقافة الثانية- يتم إدخالها على مناهج التعليم والثقافة بعد أن يمر التلاميذ بمرحلة تشبع من الثقافة الوطنية لا تزاحم من قبل لغات وثقافات أخرى كما يتم في الكثير من بلدان العالم الثالث.
في الفصلين الخامس والسادس يقدم المؤلف قراءة تفصيلية مثيرة لظاهرة قليلا ما يتم التطرق إليها، وهي ما تتضمنه اللهجات المحلية في تونس والجزائر بسمتها الخليطة -أي خلط العربية بالفرنسية- وكذلك انتشار الشتيمة والدعاء على الآخرين.
أولا، يناقش قضية انتشار نمط الحديث المختلط حيث يعمد المتحدث إلى استخدام مفردات وجمل فرنسية خلال الحديث بالعربية، وعادة باللهجات المحلية. وتنتشر هذه العادة بين النساء بشكل أوسع كثيرا مما هي عليه بين الرجال. والتعليل الأساسي هنا يرده المؤلف إلى جذور اجتماعية لها علاقة بوضع المرأة إزاء الرجل في هذه المجتمعات. فإزاء الضغوط التي تتعرض لها، وعدم وجود حرية تتمتع بها في أكثر من مجال، ترى المرأة أنها بتشبهها بلغة فرنسا"المتحضرة"تهرب من واقعها. وينطبق الأمر على استخدام النساء التونسيات والجزائريات للهجة الباريسية عندما يتحدثن الفرنسية، بخلاف الرجال.
والتركيز الذي يوليه المؤلف على حرف"الراء"الذي يلفظ بالفرنسية الباريسية"غينا". فالإناث هنا يلفظنه مثل"الغين"في حين يلفظه الرجال"راء". ومن ناحية تاريخية عمد الجزائريون في جلهم وخلال عقود الاحتلال الفرنسي إلى"نحت لغة فرنسية"خاصة بهم تختلف عن لغة المستعمر من ناحية اللهجة. وكان نطق حرف"الراء"أهم مميز للغة الفرنسية التي تحدث بها الجزائريون. أما في مرحلة لاحقة فقد بهت هذا التميز خاصة مع الأجيال الجديدة التي نشأت بينها وبين الفرنسية علاقة تختلف عن تلك التي نشأت بين آبائهم وأجدادهم ولغة المستعمر.
من المسؤول عن تغريب الأدب وتذويب هوية الأمة الثقافية ؟
محمد القوصي
منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين «الحداثيين» و «المحافظين» وكانت ـ بالفعل ـ معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثًا وشعرًا) ، وبين رعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة.
واكتسب «الحداثيون» من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقًا في عصر «صناعة النجوم» ، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقًا رغم ادعاء التفتح، وغموضًا رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير. لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها بالرغم من أنهم جميعًا ـ بالرغبة أو بالإكراه ـ أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطلّ.
لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفًا عنها بأذُن موسيقية بلغت شأوًا دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه؛ فهم يرمون صلتنا بالتراث ـ بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث ـ بأنها علاقة عقائدية... ليس هذا فحسب، بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال.
يقول ناقد همام من قادتهم عن الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التي مارست التفعيلة في فترة معينة، ثم عادت إلى «الخليل» مرة أخرى، يقول عنها: «إنها تتجه بخطى واسعة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي. إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين؛ حيث كتبت أحدث قصائدها في العمود الخليلي كاملًا غير منقوص» .
وهكذا أصبحت كتابة القصيدة في العمود الخليلي غير منقوص ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضًا للتطور، وسلفية فكرية.
وهذا الذي دعا نزار قباني ليقول: «إن الفخ الخطير الذي وقعت فيه حركة الحداثة هو اعتقادها أن موسيقى الشعر نظام استعماري قديم لا بد من الانقلاب عليه» .