فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 719

3-أرى يقينًا أننا مسئولون عن هؤلاء الذاهبين من الشباب حكومات وعلماء ومربين ، فنحن لم نفتح لهم الأحضان الدافئة ولا المحاضن الصادقة التي تستوعبهم ، ولم توجد لهم الفرص الدعوية التي تستهلك وتستنفد طاقاتهم في الخير فهانت عليهم نفوسهم فأذهبوها في أمور قد"أكرر قد"يكون غيرها أولى منها ، لماذا لا تستفيد الحكومات من طاقات هؤلاء الأبطال الأخيار ؟ لماذا لا تفتح لهم معسكرات التجنيد والدعوة وتجعل منهم وقودًا تستفيد به ضد اعداء الأمة والطامعين فيها ؟! لماذا لا يخرج العلماء مع هؤلاء في كتائب دعوية إغاثية إلى إفريقية وجنوب آسيا والهند وآسيا الوسطى والذين يجهلون ابسط مباديء الدين والعقيدة ومعرفة الله ومعرفة رسوله فضلًا عن الأحكام ؟! لماذا لايتقدم العلماء هذه الكتائب هل لأن النصر سيتنزل علينا إذا اصلحنا بلاد السعودية فقط ( هذا إذا كنّا فعلًا نعمل للإصلاح ونسعى له ) ؟ أم أن الدعوة السهلة والإجتماعات في الغرف المكيفة والجلوس في الولائم التي تزينها"المفطحات"وتبخرها"رائحة العود"هي منتهى دعوتنا وحركاتنا .؟! إننا معاشر أهل هذه البلاد نحمل عقيدة تغيظ العالم كله ، ويخافها العالم كله لصفاءها ونقاءها وبساطتها وقدرتها على الإنتشار فلا نحن نشرناها ولا نحن وظفنا الشباب لنشرها من خلال مؤسسات عالمية فعالة ذات تصورات استراتيجية للدعوة والتغيير والتأثير ؛ ولا نحن وظفنا ابناء هذه الدول لنشرها من خلال أموالنا ، ثم لما يرى هذا الشباب الواقع المزري ويتحمّس أمام برودنا وقعودنا لايرى منّا إلا النقد البارد والسخرية الممجوجة والمطارق التي تقرع رأسه ، إضافة إلى مطارق الكفر والإلحاد التي يواجهها أمامه أومطارق الإهمال والجحود التي تركها خلفه . فالله الله يا أيتها الحكومات ويا أيها العلماء في هؤلاء الشباب .

ومع ذلك كله فلي كلمة اوجهها لكل شاب أن يلتف حول العلماء الربانيين ولا يلزم ـ ضرورةً ـ أن يكونوا ممن يجاهد بالسلاح فالجهاد بالكلمة قد يوزاي الجهاد بالسلاح وقد يكون أشد وأقوى وأنفع أحيانًا ، ومشكلة بعض الشباب هداهم الله أنهم يريدون المسلمين أو العلماء أنموذجًا واحدًا ، فالفضيل كان عابدًا وسفيان كان مؤدبًا للملوك ؛ وابن المبارك كان مجاهدًا ، وكذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع اصحابه كلٌ على ثغرة يسدها ويدافع الكفر وأهله أن يلجوا منها ، فعلى الشباب أن يعذروا كل عالمٍ قائلٍ بالحق عامل بأحكام الدين، وأن يحفظوا السنتهم عن علماء الدنيا واتباع الوجهاء وعبّاد المناصب والوجاهة فإننا لفي شغل كثير عنهم وعن أمثالهم ..!!

مشاهدات وكلمات

دخلتُ على بعض الأفاضل في الظلام الدامس في ليالي بغداد إبّان الحرب ولمّا ترجعُ الكهرباء بعد ، لم يجد مكانًا يدخلني فيه فبيته الصغير ازدحم بأمه واخوته وزوجته وابناءه ! أجلسني على كرسيٍّ أمام الدار وذهب يحضر مصباح الكيروسين ، وفاجأني الضوء ورأى هذا الكريم مشاعر وتعبيرات على وجهي فهمها ، وضع المصباح وجلس علي كرسي صغير أمامي قائلًا: يادكتور تعجب لحالنا .!؟ نحن قومٌ فقراء ولكننا شرفاء !!

هذا كان امامه مايسيل اللعاب أيام النظام البائد لكنه تركه لأنه شريف ! فطوبى للشرفاء ( الغرباء بالطبع ) .

• الشيخ الدكتور علاء المدرسي الأعظمي علامة في المذهب الشيعي ويمتاز بفهم هذا المذهب وروعة الحوار مع أهله ، سمع بي فجائني في الظلام عرف علاقتي بأفاضل مشائخنا ؛ ذهب في الظلام وعاد في الظلام وهو يحمل صندوقًا ممتلئًا كتبًا عن المذهب الشيعي وضعه في يديه وبعد دردشة في ليلة نيسانية لطيفه انطلق في الظلام ، لو رأيته الآن لا أعرفه . ما أجمل ظلامٌ اختلط بنور العلماء .

• الإعلاميون كثير منهم لا يتجاوزون مساحة الفردوس أمام فندق فلسيطين وشيراتون ولمّارأيت المئات يموتون بسبب الجروح والحروق ذهبت لبعض الإعلاميين كالمحرش لهم ، ذهب عددٌ منهم ، وبعد ساعة أو أكثر ترك مراسل قناةٍ عربيةٍ ومدير قناة انجليزية ومسئولة القناة السويدية تركوا عملهم والدموع تملىء أعينهم وتحولوا إلى عاملي إغاثة معي طوال ذلك اليوم وهم ينقلون الإغاثة التي قَدِمنا بها من أوروبا ، وتحول بعض زملائي إلى مصورين يصورون الإعلاميين ؛ إنها الفطرة تستيقظ من تحت الرماد .

• لم أقابل عراقيًا عشائريًا أو ريفيًا أو مدنيًا ، عالمًا أو عامّيًا إلا وهو يهتف بصوت مسموع: سنخوض معاركنا معهم ، وسنمضي جموعًا نردعهم ونعيد المجد لأمتنا !! كلٌ له توقيتٌ خاص به لساعة الصفر .

• الإمريكان العلوج حقًا وصدقًا !! كثير منهم كحمار أهله لايدري فيما يمسك ولا فيم يرسل ، صورت كاميراتي حوارات معهم من نوع شرُُّ البلية مايضحك ، مع ذلك فكثير منهم أرضٌ خصبة للدعوة .

• الدكتور أحمد الدباشي داعية معروف مشهور واستاذ جامعي ، وابن شيخ قبيلة ، كان بطلًا من أبطال الأمن الوطني الشعبي ، نظم ابناءه الطلاب ومريديه في المسجد ليحفظوا الأمن ، ووزعوا الأعطيات القليلة ، تاب على يديه عدد من اللصوص وتحولوا إلى جنودٍ بين يديه منهم السني ومنهم الشيعي ؛ وكان الإمريكان يقدرونه ويصافحونه قائلين: يو قود ( You good man ) وأولئك على بابا !!! ويشيرون إلى أحد الأحياء الطائفيه العريقة في احتراف الفساد والإفساد .

• حي الأعظمية كان أنموذجًا للحي المسلم الإيجابي ، اجتمع الشيوخ والعلماء والدعاة والأطباء ورجال البلد .. إلخ في مجلس بلدي شعبي خططوا ووزعوا المهام ، الشباب يحفظ الأمن في نوبات قتالية على كل دوار وعلى كل مدخل ومخرج حي او شارع ، فرق لنقل المرضى في سيارات حولت إلى أشبه اسعافات ، الأطباء فتحوا عيادات في المسجد ، فرقٌ اهتمت بالأرامل بالأيتام وبمن فقدوا عائلهم ، فرقٌ تحولوا إلى إشارات مرور بشرية كنت اراهم فاطلب من سائقي التوقف لأترجل وأحييهم ، وفرقٌ أخرى أبت إلا أن تؤدب الفجار مستلهمين تاريخ الأعظمية العظيم واسألوا عن بطولات معركة الأعظمية ، ويُراجع كتاب ألفه علاء المدرسي بعنوان ( 40 شاهدًا على الحرب في بغداد ) .

سادتي ...

هذه صور ومشاهدات وآلام وآمال أضعها بين أيديكم هامسًا في الختام:

إنني أرى في خلواتي الصافية وفي سبحاتي الرائقة ، وأرى مع كل لمّة مَلَك ! أرى أرض الرشيد وأحمد بن حنبل وهي تُخرج لنا ألوية الفتح وكتائب الإيمان ، أراها أطيافًا جميلة وموسيقى عذبة إنه إيقاع العاديات الموريات وصهيل العز يخرج من الخيلِ التي عقد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة . ياترى يومها أين نكون نحن ؟ وعندها ماذا سنجيب أمتنا إذا خذلناها وخذلنا إسلامنا ؟

اللهم إني اسألك بكل اسم هو لك وبفضلك ومنّك وكرمك وجودك شهادةً صادقة خالصة ، وأسألك أن تقر عيننا بفتح قدسنا وانتصار ملتنا وارتفاع لواء الحق على أيدينا ... آمين

د. سعود بن حسن مختار الهاشمي

استشاري طب الأسرة والمجتمع

واستاذ كلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز

احصل على نسخة من الموضوع على ملف وورد

1-هو طعام غريب مشهور بالفلافل يمّز ولاية"لويزيانا"وخاصة مدينة أوليانز ، ولم يعجبني عندما ذقته .

2-موسيقى ترجع لأصل افريقي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت