قال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين * قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون * قل أرأ يتم إن أتا كم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون * والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} [الأنعام: 43 - 49] .
إن من الأمانة في دين الله، ومن تمام النصيحة والبيان، الذي نقدمه لإخواننا المسلمين في باكستان. ومن إخلاص التذكرة، أن نضع الحقيقة كاملة بين أيديهم وإن كان بإيجاز... فنقول:
إن كثيرا من الناس يتصورون أن الحال القائم في باكستان، هو أن الحكومة حكومة مسلمة شرعية، وأن"مشرف"مجرد حاكم مسلم متلبس ببعض المظالم والجهالات. وأنه اضطر مجبرا حفاظا على مصالح الباكستان، وتحت تهديد الأمريكان أن يرتكب ما ارتكب في أفغانستان، وفي حق المسلمين من أبناء باكستان وعلمائها ودعاتها وطلاب العلم فيها. وكذلك ما يفعله في حق المهاجرين والمجاهدين العرب والمسلمين... وأنه في النهاية ولي أمر شرعي تجب طاعته والصبر عليه، والإنكار في أقصى الحالات عبر الخطب الكلامية، أو عبر قصاصات الورق الصحفية، أو عبر الصياح الأجوف في بعض المظاهرات المعترضة على أكثر تقدير. وأن هؤلاء الجيش والشرطة ورجال الأمن العاملين، بأمره في خدمة الأمريكان، يقاتلون في سبيلهم، من بين أيديهم ومن خلفهم... هم في واقع الأمر مجبورون لا مسؤولية عليهم، ينفذون الأوامر العليا، وهم إخواننا وربما يرتكبون أخطاء، وأنهم معذورون أمام ربهم وأمام المسلمين... وأن الحالة الدينية والمعيشية في باكستان مُرضية. فالمساجد عامرة، والدعوة قائمة، وحلقات العلم معقودة، والمدارس الدينية مفتوحة، والحفلات والمناسبات الدينية مزدهرة في موعدها... والناس تصلي أوقاتها... وتصوم رمضان... وتحج وتعتمر... ومن أراد أداء الزكاة أداها. وأن الناس تسعى في معايشها المختلفة، وتعيش حياتها في أمان ورخاء، وتكسب أرزاقها.
فإن الناس تعمل... وتزرع... وتتاجر... وتدرس... وتُحصل الشهادات... وتنشئ المصانع والمنشآت... تتزوج، وتخلف الذرية، وتلعب الكريكت وأنواع الرياضات، وتعيش بأمان واطمئنان. فالجيش مرابط على الحدود، يساعد كشمير ويقوم بواجباته والأمن مستتب والرخاء عميم... إلخ، وبالإجمال فالحال بألف خير، وأن الوجود الأمريكي مؤقت، ومرهون بالقضاء على بقايا طالبان والقاعدة وجذور الإرهاب كما يقولون وسيرتحلون وتعود الأمور إلى نصابها...
ولكن الحقيقة التي يجب على أهل العلم بيانها، وعلى المسلمين معرفتها، لأنها تمس تفاصيل حياتهم ومستقبلهم ودنياهم، كما تمس دينهم وما أمرهم الله به ونهاهم عنه، وبالتالي تحكم مصيرهم في آخرتهم، إلى جنة عرضها السماوات والأرض... أو إلى جهنم سقر لا تبقي ولا تذر. هي غير ذلك.
هذه الحقيقة التي يعيشها الناس، ويحسونها بفطرتهم التي فطر الله المسلم عليها.
هذه الحقيقة التي يدركها المراقبون لوقائع الأمور. من أهل السياسة وكبار العسكريين وأجهزة الأمن والشخصيات العلمية والثقافية في باكستان، تقرر غير ما يعتقد البسطاء من الناس وجهلتهم وأصحاب المصالح الشخصية الذين طمس الله بصائرهم وران على قلوبهم بما كانوا يكسبون. وهي غير ما تقدمه أجهزة الإعلام الحكومية، بزيفها ودجلها وتحاول إقناع الناس به، ومسخ دينهم وعقولهم بجهود شياطين الإنس والجن. وهي غير ما يزوره للناس بعض علماء السلطان من المنافقين!
إن هذه الحقيقة تقول: أن أحكام الشريعة الإسلامية معطلة. وأن أحكامها التي تشمل كل شؤون الحياة من حلال وحرام ومباح... ملغاة. وأن الناس تعيش بسبب ذلك ضنك العيش.
إن الحقيقة المرة في باكستان تقرر أمورا منها ما يلي:
أولا:
أن هذا البلد الذي يسمى"جمهورية باكستان الإسلامية"! تسودها التشريعات العلمانية الوضعية التي قررها وسنها البشر، وأنها تُحكم بالقوانين الإنجليزية والغربية، في كافة مناحيها السياسية والإقتصادية والإجتماعية والقضائية والثقافية... وأنه لم يبق من شرع الله فيها، إلا نتفا من أحكام الأحوال الشخصية، وبعض الأمور الفرعية، ويُحكم بغير ما أنزل الله بعدها في كل شيء. ويكفي تصفح دستور الباكستان ذي الأصول الإنكليزية والغربية، وقوانينه الوضعية ليدرك حجم المصيبة!
ثانيا:
أن هذه الحكومة تسن التشريعات والقوانين، وتصدر المراسيم التي تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، وتأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف. فالخمور تباع جهارا نهارا وفق إجازات رسمية تصدر عن وزارات مختصة، والملاهي ومرافق السياحة وأماكن الرقص والعري والإختلاط والحفلات والدعارة، كذلك تفتتح بموجب تراخيص حكومية، فتروِّج للخنا والفساد والزنا والمجون. ومثل ذلك محلات القمار والميسر والألعاب المحرمة. كذلك صالات السينما ومحلات بيع الفيديو، بما فيها من فساد وترويج للرذيلة وأنكى من ذلك قنوات الـ"كيبل"والدشوش التي تعرض حتى أفلام الجنس الفاضحة في كل وقت بلا وجل ولا حياء... وقل مثل ذلك عن مئات البنوك الربوية التي تعمل بترخيص حكومي رسمي وتنتشر آلاف مكاتبها في طول البلاد وعرضها... وهذه نماذج من استحلال ما حرم الله والترخيص له بنص القانون! وهي معاص وموبقات وأمور لو مارسها أفراد المسلمين لكانت في حقهم معصية وكبائرا، ولكنها في حق الحكومة التي تسن القوانين، وتعطي الإجازات والتراخيص لهذه المحرمات. هو استحلال لما حرم الله، وحكم بغير ما أنزل الله، واستبدال لشرع الله بأحكام الكفر وشرائع طواغيت البشر.
ثالثا:
أن وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة في باكستان، هي بؤر لنشر الكفر والفساد والتشجيع على المعاصي، وقد مسخت الهوية الدينية لشعب الباكستان المسلم، وروجت فيه للعلمانية والإنحراف والإختلاط. وكافة أنواع المحرمات وجعلت الحياة الغربية وطرق معيشتها، وطعامها وشرابها ولباسها، ودعارتها وفساد أخلاقها مثالا للشباب والصغار والكبار يقتدون به. والمطلع عليها يعجب كيف وجد هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا هذه الحرية في باكستان، حتى بدؤوا يدعون للزنا والخيانة الزوجية واللواط وكأنها من صفات علية القوم وصفوة الناس! ولولا الحياء وخشية الإطالة والخروج عن الموضوع لنقلنا وثائق تحت أيدينا من صحف الباكستان ووسائل إعلامها ما يندى لها الجبين خجلا وحياء!
رابعا:
أن الحكومة تسن من الضرائب والمكوس، ما جعلها اللص الأكبر، المتسلط على أموال الناس. فهي لا تجبي الزكاة الشرعية من الغني لتضعها في حاجات الفقراء بل على العكس، تسن الضرائب والمكوس التي ترهق فقراء الناس وأغنياءهم بغير وجه شرعي، وتعاقب من لا يلتزم بها بقوة السلاح وسطوة القانون.
خامسا: