فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 719

في عام 1863م اقترح المنصِّر هاملين على صديقه روتشيلد اليهودي إنشاء مدرسة ثانوية بجوار «قلعة الروملي» قائلًا: «لقد أنشأ الأتراك حصنًا لفتح إسطنبول، وأنا سأنشئ هنا مدرسة لهدمهم» . هذه العبارة على وجازتها تلخص لنا الدور الخطير الذي لعبته المدرسة الأجنبية في تفكيك العالم الإسلامي وتفتيت ريحه؛ لقد مكر أهل الكتاب مكر الليل والنهار لرد المسلمين عن دينهم تارة بحروب صليبية وتارة بتدبير المكائد الداخلية، وفي كل مرة كان العالم الإسلامي يهب هبته ينفض عنه مسة أهل الكتاب، وفي كل مرة كان الغرب يبحث عن لبنة سنمَّار حتى ظفر بها أخيرًا؛ إنه حبل التلقي الموصول بالله عبر المسجد والمدرسة والأم.. فلتكن المعركة في هذه الساحة لا بهدمها كما صنع بونابرت وإنما بتفريغها من محتواها أولًا وتبديله بمحتوى مخالف أيًا كان هذا المحتوى ليفعل فعل السرطان في الجسد عندما تتغير كيميائية خلية واحدة.

يقول جب في كتابه: (وجهة الإسلام) : «إن إدخال طرائق جديدة في البلاد الإسلامية كان يتطلب نظامًا جديدًا في التربية من عهد الطفولة في المدارس الابتدائية والثانوية قبل الانتقال للدراسات العالية، وإن إصلاح التعليم [يسميه إصلاحًا!] على هذا النحو لم يكن في ذلك الوقت يخطر على بال السلطات المدنية الإسلامية، ولكن الفراغ ملأه هيئات أخرى؛ فقد انتشرت في منتصف القرن التاسع عشر شبكة واسعة من المدارس في معظم البلاد الإسلامية ولا سيما في تركيا وسوريا ومصر؛ وذلك يرجع غالبًا إلى جهود جمعيات تبشيرية مختلفة، وقد كان أكثرها عددًا المدارس الفرنسية، وقد كانت المدارس الإنجليزية في الإمبراطورية العثمانية أقل مما في الهند، وكانت المدارس الهولندية قاصرة على جزر الهند الشرقية» .

وقد ارتبط التعليم الأجنبي منذ وفوده على البلاد الإسلامية ـ كما ذكر جب ـ بالإرساليات التبشيرية، وتنسب بداية المحاولة إلى الإسباني (ريمون لول) ، ثم أخذت الجمعيات التبشيرية في الانتشار في أواخر القرن 18 وأوائل الـ 19 التي كان أحد أهم مناشطها التعليم، خاصة مع تحول الكنائس الكبرى في أوروبا من الإطار الكهنوتي البحت إلى الإطار التعليمي بإنشاء المدارس والمعاهد التابعة لها، وقد بدأت الإرساليات تمارس نفس الدور في العالم الإسلامي خاصة حين أخفقت الأساليب المباشرة للتبشير شرعت في أداء الدور التعليمي، وخاصة بعد أن رأى المبشرون من خلال مؤتمراتهم وخبراتهم المتبادلة أن العمل في جانب الصغار أجدى بكثير من الكبار وفي جانب الفتيات أخطر منه في البنين.

وقد كان الغرض الملحُّ على العقل الأوروبي من بناء المدارس ـ كما قلنا ـ هو حل المسألة الشرقية من الداخل بعد أن استغلق حلها من الخارج.. والناظر في تاريخ سقوط الخلافة يعلم بحق أثر هذه المدارس في الكيد لأهل الإسلام؛ فقد لعبت دورًا أعظم مما أداه جميع سفراء الدول ومعتمديهم السياسيين باعتراف الغرب نفسه.

كانت الشرارة الأولى قدحت في بيروت بإنشاء مدرسة للبنات في الإمبراطورية العثمانية سنة 1830م؛ لأن البنات سيكُنَّ أمهات؛ فإذا تربَّيْن في هذه المدارس النصرانية أثرن على أولادهن!! وكانت تعنى ببنات الأسر والبيوت الكبيرة اللاتي سيكون لهن السيطرة على الجيل المقبل؛ ولهذا قال بعض دعاتهم: «إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني» !!

وقد تركزت في لبنان جهود الأمريكيين والفرنسيين، وقد كان للجامعة اليسوعية (الأمريكية فيما بعد) وجامعة القديس يوسف دور خطير في لبنان بالتقاط النابهين من نصارى الشام وبنائهم نماذج متغربة تعمل لحساب المشروع الغربي؛ حيث ارتبط كثير منهم بالمخطط الماسوني الهادف لإسقاط الدولة العثمانية وتفتيت العالم الإسلامي وغرس الدولة اليهودية في المنطقة.

وفي مصر عام 1840م من خلال البعثات التنصيرية قام الآباء بتأسيس الكلية الفرنسية بالإسكندرية والجمعية الإنجيلية البروتستانتية، وجمعية راهبات القلب المقدس عام 1845م، ثم تلتها الإخوة المسيحيون والفرير عام 1847م ثم الآباء اليسوعيون والجزويت ثم الفرنسيسكان 1859م والمير دي ديو (وتعني أم الله! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) 1877م. ثم تبعتها مدارس الآباء اليسوعيين عام 1880م كمقدمة لاحتلال مصر في عام 1882م، وقد بلغ عدد مجموع الطلاب من المسلمين 7117 طالبًا مسلمًا حتى عام 1891م، وهو رقم مذهل بمقاييس تلك الأيام وظروفها.

كان انتشار المدارس الأجنبية في مصر مكثفًا ومقصودًا حتى إنها الآن تبلغ عشرات الآلاف من المدارس، وتبلغ نسبة الدارسين فيها من المسلمين 52% من الطلاب بمصر، ويشير مؤرخو المدارس الأجنبية أن الجالية اليونانية كانوا كلما حلوا في بلد أنشؤوا فيه كنيسة ومدرسة كما فعلوا في الإسكندرية عام 1843م ثم في المنصورة، وطنطا، وبور سعيد، والسويس، والقاهرة وغيرها، وهكذا الجالية الإيطالية منذ عام 1862م، والجالية الألمانية عام 1866م، واليهود منذ عام 1872م، والمارونيون السوريون، وكانت أولى الجاليات الجالية الأرمنية عام 1828م في بولاق.

أما عن تعليم البنات فقد كان هناك مدرستان في أواخر العقد السادس من القرن الماضي للتعليم العام بحي الأزبكية: واحدة تابعة للكنيسة الأرثوذكسية، والأخرى تابعة لكنيسة الأقباط الإنجيليين. وفي عام 1904م أنشأت الكنيسة القبطية أول مدرسة صناعية ببولاق.

وقد عملت كثير من هذه المدارس بمبدأ المواءمة واستغلال الفرص المتاحة؛ بحيث تظهر ما جاءت من أجله كلما سنحت الفرصة، وتتستر حين تضيق عليها الأمور.

كما شهدت سوريا بالتزامن مع حالة لبنان ومصر جهودًا موسعة لفتح المدارس الإرسالية حتى كان نصيب سوريا وحدها من المدارس الأمريكية عام 1909م: (174) مدرسة في المدن والقرى.

وفي السودان من أنواع المدارس والبعثات التنصيرية الشيء الكثير، بل إن عدد الكنائس في الخرطوم يفوق عدد المساجد!!

وأما في جبال النوبة فقد استولت الإرساليات البريطانية على التعليم فيها منذ عام 1919م وحاصرت توسع الإسلام واللغة العربية، وأقفلت ما يفتح من المدارس الإسلامية عام 1931م (1) .

وفي العراق: في أوائل القرن العشرين الميلادي كانت أول مدرسة تبشيرية في البصرة مدرسة للبنات، ثم انتشرت مدارسهم في أنحاء العراق.

وهذا ما جرى عليه الحال في سائر بلاد الإسلام خاصة البلاد التي دخلها الاستعمار.

وقد كان جل اهتمام التنصير منصبًّا على مصر وباكستان تحديدًا؛ ولذا نالا قسطًا أكبر من الغزو عمومًا ومن خلال التعليم على وجه الخصوص. يقول (ستيف نيل) مؤرخ الكنيسة: «في العالم الإسلامي دولتان تمثلان أكبر أهمية بالنسبة للتنصير، هما باكستان ومصر، وسقوط إحداهما في قبضتنا يعني إزالة أكبر عقبتين من طريق الكنيسة» .

تتوافر عن باكستان أمامنا بعض الإحصائيات حول نشاط عدد من أشهر المدارس هناك يمكن أن تعطينا صورة عن حجم النشاط وما يصبو إليه وما يمكن أن يحققه:

نجد في مدرسة القديس باتريك في كراتشي (2100) طالب مسلم و (400) نصراني!

وفي مدرسة القديس يوسف (2100) مسلم، (100) نصراني!

ومدرسة القديس لورانس (1050) مسلمًا، (150) نصرانيًا!

ومدرسة القديس جوز (100) مسلم، وليس فيها نصراني واحد.

ومدرسة المسيح الملك (700) مسلم، (300) نصراني.

ومدرسة القديس جون (700) مسلم، (200) نصراني.

ومدرسة القديس بونا بونتشر في حيدر آباد (1560) مسلمًا، و (40) نصرانيًا.

ومدرسة القديسة ماري في حيدر آباد (1558) مسلمًا، (139) نصرانيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت