بالنظر في ما تقدم يتضح أن وجود النصارى عبارة عن ذر للرماد في العيون (2) .
على أن الأمر لا يتوقف عند حدود مصر أو باكستان أو بلاد الشام، وإنما زحف نحو جميع البلاد في غفلة من المسلمين. وتشير الأرقام إلى وجود 264 مدرسة تنصيرية في ماليزيا، وفي قطر هناك أكثر من 30 مدرسة، وفي مدينة مقديشو وحدها أكثر من ثلاثين مدرسة صليبية!
وطبقًا لإحصائيات عام 1991م توجد 16500 مدرسة نصرانية في أفريقيا وحدها.
أما التعليم الجامعي فلدينا ثلاث مؤسسات كان لها أبلغ الأثر في تحول كثير من أبناء الأمة عن دينهم وهي:
جامعة القديس يوسف في لبنان، وهي جامعة بابوية كاثوليكية (تعرف الآن بالجامعة اليسوعية) .
والجامعة الأمريكية التي كانت من قبل تسمى (الكلية السورية الإنجيلية) ، ثم كلية بيروت، وقد أنشئت في عام 1865م، وهي جامعة بروتستانتية.
والكلية الفرنسية في لاهور، وأسست في لاهور باعتبار أن هذا البلد يكاد يكون البلد الفريد في تكوينه في شبه القارة الهندية.
إلى جانب (كلية روبرت) في إستانبول، والكلية الأمريكية (الجامعة الأمريكية فيما بعد في القاهرة) .
وكلية جوردن (البريطانية) في الخرطوم، وأخيرًا الجامعة الأمريكية الجديدة في الشارقة، وفي قطر!
وهناك الجامعة الألمانية والفرنسية ـ في المستقبل القريب ـ في مصر اللتان شرع في تأسيسهما مؤخرًا.
ومن خلال هذا الجهد المكثف نجح التعليم الأجنبي بمدارسه وجامعاته في تخريج أجيال عملت على خدمة المصالح الغربية على تفاوت فيما بينها؛ فقد تخرج فيها كثير من القيادات القومية الفكرية والسياسية من بين المسلمين والنصارى ـ دون فرق إلى حد بعيد ـ في كل من مصر ولبنان وفلسطين والأردن وسوريا والعراق والسودان، ومن أبرزهم: ميشيل عفلق، وجورج حبش، وقسطنطين زريق، وأنطون سعادة، ولويس عوض وغيرهم، وكان من عملاء هؤلاء المنصرين في تركيا الجنرال: أحمد وفيق باشا الذي أمَّن أرضًا للمدرسة؛ ولذا لما سئل السلطان عبد الحميد الثاني عن المكان الذي سيدفن فيه الجنرال، قال: «في قلعة الروملي؛ ليستمع الرجل الذي باع للبروتستانت أرضًا ليؤسسوا عليها أجراسهم، أصوات هذه الأجراس إلى يوم القيامة» .
وقد أولت الدول المستعمرة خلال فترة ما بين الحربين اهتمامًا شديدًا بتثقيف أبناء الأمراء والعظماء وكبار رجال السياسة، ونقلهم إلى التعليم في المعاهد الأجنبية؛ وذلك لإعداد هذه الطبقة، وقد كان إغراؤهم عجيبًا لكثير من أصحاب المراكز العلمية ـ حتى بعض كبار المسؤولين في مجال الإسلام ـ على تعليم أبنائهم وبناتهم، وقد أشارت تقاريرهم إلى ذلك بما أسمته: «نزوع الطبقة الراقية إلى المدارس الأجنبية» .
تعليم المخاطر!
نجح الغرب من خلال التعليم في أن يبث سمومه في مختلف مناشط الحياة، وحشد ضمن كل منشط منها مجموعة من المخاطر، ثم راح يؤلف بينها؛ ولهذا نرى المخاطر اليوم تتداعى وتجتمع وتتضافر، ويكمل بعضها بعضًا.
إن أثر النشاط التعليمي الغربي في بلادنا لم يعد يمس زاوية دون أخرى أو يكتفي بجانب دون سواه.. بل أصبح يمثل شبكة من المخاطر كل خطر يوطئ لما بعده ويخدم جوانب أخرى غيره؛ ولهذا فإن تفنيد بعض المخاطر لا يقلل من شأن سواها، وذكر كل منها منفردة لا يعني أنها منبتَّة عما سواها في الواقع؛ فالتعليم بذاته شبكة ضمن شبكة أوسع من المخاطر والمهددات التي تتنامى مع الوقت.
ومن هنا يأتي التعليم الأجنبي على رأس قائمة المخاطر وأدقها وأعمقها أثرًا، ويكفي أنه لم يقع أن اتبعت الأمة بمجموعها سنن أهل الكتاب إلا بعد أن أصبحت مدارسهم تنافس مساجدنا، وقد رأينا من آثاره كيف تساق الأمة سوقًا وتقهر قهرًا على اتباع سنن أهل الكتاب حذو القذة بالقذة شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما جاءت النصوص، وأن هذا ما كان ليتحقق لولا فتح باب التلقي عنهم والانغماس في سوادهم.. وتحسين مسلكهم.. والانبهار بكل ما يأتي عنهم دون تبصر أو تفكر، ووقوع الفتنة بتوليهم ومحبتهم في مقابل خلع ولاية الإيمان.
ونحن بصدد دراسة أهم المخاطر الناجمة عن الوجود التعليمي الغربي في بلادنا للدلالة على ما سواها لا بد أن ندرس أثرها على التيار العام للأمة، وألا نغفل دراسة النماذج الفردية المجلية لأثر التعليم الغربي وإن لم يتح لنا هذا بصورة قوية هنا، لكن تكفي بعض الإشارات الضمنية:
الخطر العقدي:
ويبدأ هذا الخطر حين تقوم هذه المدارس بترويض فكر الطالب شيئًا فشيئًا ليتشرب العقيدة النصرانية، وتنزع عنه حساسية الفطرة والإيمان، من خلال المناهج، والممارسة التربوية، والنموذج التربوي الذي تقدمه هذه المدارس (المثل الأعلى) ، وشكل البناء؛ فالمدرسة تبنى بجوار الكنيسة أو داخل فنائها، وأسلوب الإدارة، وتعويد الطفل على رؤية الكهنة والراهبات في منزلة التوقير بما يجعل لهم نفسيًا سلطة لا شعورية تبدأ بالاحترام وتنتهي بقبول أفكارهم ومعتقداتهم؛ فلا يجد هذا الطفل حرجًا حين يتخرج أن يرتدي لباس الكهان، بل يظل يحلم بهذه اللحظة، وكأن المدرسة تقول له: قد هيأناك لتكون هكذا! ولا حرج أن يدخل كنيسة المدرسة ظهر كل أحد مع زملائه ليستمع إلى درس الأحد، ولا بأس بعدها أن يدخل أي كنيسة ضيفًا أو زائرًا أو مهنئًا أو معزيًا..!
وهو في البداية كما قال هوارد ويلس رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق في بيروت: «التعليم في مدارسنا هو الطريق الصحيح لزلزلة عقائد المسلم وانتزاعه من قبضة الإسلام» .
وهو في النهاية كما يقول بنروز رئيس الجامعة الأمريكية أيضًا: «أثمن الوسائل هي التي استطاع المبشرون أن يلجؤوا إليها في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان» .
ومن يقرأ تاريخ الأحزاب والحركات الهدامة في العالم الإسلامي في عصرنا الحاضر يلمس دورًا خطيرًا للتعليم الأجنبي في تشكيل هذه الحركات وتوجيهها.
والمدرسة تبدأ بالطفل خاصة حين يغفل الأبوان عن دورهم في المتابعة، ثم تجعل منها قنطرة إلى أسرته، وهؤلاء تعد لهم المدرسة قائمة طويلة من المناسبات والحجج التي تبدو طبيعية لتوثيق العلاقات، كمجلس الآباء والحفلات الدورية وغيرها من المناسبات، ومن ثم يفتح الباب أمام الكنيسة لتمارس دورها في ربط هؤلاء بحياة الكنيسة، فتشملهم بمجموعة جديدة من الخدمات التعليمية غير النظامية، مثل مدارس القرى، وبرامج التربية الشعبية ومحو الأمية، وبرامج التدريب المهني والحرفي، وتعليم اللغات، والتدريب على الحاسب الآلي، ومجالات السياحة وأعمال مكاتب الطيران، ومراكز تنمية المجتمع، ومراكز رعاية الطفولة و... وتحاول هذه المدارس مع من يلتحق بها أن تعزله عن التأثر بعقيدته الإسلامية ومحيطه الكبير، تارة بإثارة الشكوك.. وأخرى بأساليب السخرية المقنعة والظاهرة.. والتهوين من شأن الإسلام..! وإذا لم يخضع التلميذ وأبدى بعض التمسك كان في انتظاره حزمة من عمليات الحرب النفسية الكفيلة بأحد أمرين: ترك المدرسة، أو عقدة الانطواء؛ ومن ثم تنجح المدرسة في تصوير المتمسك بإسلامه لباقي زملائه على أنه أحد اثنين: إما غير ناجح، وإما معقّد.
ثم تكتمل الحلقة حين يلتحق الطالب بإحدى جامعات الغرب أو فروعها في بلادنا؛ فيجد عشرات من الكتب والرسائل التي تطعن في الإسلام طعنًا صريحًا، وتخلط بين الإسلام وما سواه باسم الثقافة، ويجد الزوجة التي تكمل معه المشوار، والأستاذ الذي يأخذ بيده إلى آفاق أخرى، ولهذا لا يعجب المرء بعدها حين يسمع عن تنصر بعض هؤلاء سرًا أو علنًا.