وكما تعمل المدارس التبشيرية على ترسيخ قيم الكنيسة التي تنتمي إليها، تعمل المدارس العلمانية على ترسيخ القيم المادية من خلال منظومتها التعليمية؛ حيث تطبق المعايير الرأسمالية البحتة على كل شيء بدءًا من عمل المدرسين وأدائهم، وانتهاء بتقييم الطلاب وتحديد أولويات حياتهم.
ومن هنا يزول عجب المرء حين يجد هذا الهجوم الواسع على الإسلام من طوائف واسعة من بني جلدتنا ممن يتحدثون بألسنتنا، وحين يجد الدأب في العمل لخدمة المصالح الغربية على حساب الأمة، حين يعلم المرء أن هذا النتاج هو حصيلة قرن ونصف من العمل الدؤوب في مجال التنشئة.
ومعلوم أن الإنسان يحن إلى طفولته وصباه، ومكوناتهما هي أوتار الحس في بقية مراحل العمر.. وتعلق قلب المتعلم في هذه المدارس يعد مقدمة لما بعده.
فلا عجب أن يُضمَّن الشعر والنثر عقائد أهل الكتاب، ولا غرابة أن تستورد قوانينهم وأفكارهم حتى بعد إحالتها للتقاعد في بلادها، أو أن يصبح إعلامنا بوقًا لترديد ما يشتهون، ومن لم يدركه أثر التعليم مباشرة أدركته توابعه!
وبهذا نجد أن أثر التعليم الأجنبي لا يقف عند حد فرد أو مجموعة وإنما تسري سمومه في جسد الأمة وهي تظن أنها تتداوى. والمتأمل في تاريخ بعض الشخصيات التي تربت في هذه المحاضن يجد أن شؤم التحاق فرد ربما عاد على الأمة كلها بالضرر الكبير، ولدينا أمثلة من حاضرنا تتمثل في أتاتورك رغم أصوله المتصلة باليهود؛ لكن طبيعة نشأته وتكوينه هو ومجموعة الاتحاد والترقي هي التي حركته في الاتجاه الذي سار فيه، و «سنجور» حاكم السنغال السابق الذي نصَّرته مدرسته ـ بينما لا يزال أهله مسلمين ـ وتولت إعداده ليتولى حكم دولة مسلمة بنسبة 99% ويحارب فيها الإسلام، وبعد أن افتضح أمره تفرغ للتنصير، وأقيمت جامعة تحمل اسمه لإعداد المنصِّرين في بلاد المسلمين.
وقل ما هو أعظم من ذلك عن إسماعيل باشا خديوي مصر الذي عاد مع أول بعثة من فرنسا وهو يحلم بتحويل مصر إلى قطعة من فرنسا، ودوره الخطير في تمكين أعضاء المحفل الماسوني من حكم مصر، والسيطرة على قطاع واسع من المنطقة العربية، والذي أغدق الهبات على بعثات التنصير الفرنسية المتعاونة مع الاستعمار من الصين إلى أعماق أفريقيا، وقد ورد في رسالة مسيو «بوجاد» قنصل فرنسا في مصر في 2/5/1869م: «أن إسماعيل منح رئيس أساقفة اللاتين بمصر قطعة أرض مساحتها: 3500 ذراع في موضع حسن جدًا (150 ألف فرنك ذهب) ، ومنح الراهبات إعانة سنوية (6 آلاف فرنك ذهب) وهبة (200 ألف فرنك) ، ومنح أساقفة اللاتين منحة أخرى هي أرض مساحتها 6 آلاف ذراع» (1) . وكانت منذ عام 1867م قد بدأت مدارس الاستعمار الفرنسي والبريطاني في العمل في مصر، وجميع عملاء الغرب من رجال الخديوي إسماعيل إنما صنعتهم هذه المدارس.
لقد كان شؤم هؤلاء الثلاثة على عقيدة الأمة وعلى عافيتها أمرًا لا يمكن الإحاطة بمداه؛ لأن تبعاته ما زالت تتوالى علينا، وقد كان جهدهم ناتجًا عن عقيدة نجح التعليم في تشكيلهم عليها.
ومن العجيب أن نصارى البلاد العربية أبوا أن يلحقوا أولادهم بالمدارس النصرانية الوافدة ـ وهم أهل دين واحد ـ غيرة على مذاهبهم وحرصًا على أبنائهم، فأقاموا مدارس خاصة بهم. أما المسلمون فلم تأنف منهم طائفة أن يسلِّموا أولادهم إلى هؤلاء وهؤلاء! يقول المبشر «تكلى» : «يجب أن نشجع إنشاء المدارس، وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي. إن كثيرًا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية. إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي أمرًا صعبًا جدًا» .
لقد حفلت مناهج التعليم الغربي بجهود المستشرقين في الطعن في الإسلام، وتزيين ما عليه عقيدتهم من باطل، وتحسين مناهجهم وسيرتهم، والفتنة بتاريخهم والتأسي بعظمائهم، والفخر بما حققته مدنيتهم من تقدم مادي، والتنكر لكل ما هو إسلامي وعربي.. كل ذلك ما كان ليبلغ مداه لولا التأسيس لها عقيديًا؛ ولهذا نجد أن كثيرًا من أفكارهم الشاذة قد انتقلت من كتبهم إلى بطون الدساتير والقوانين واللوائح العربية، وعبرت عن أفكارهم مئات الصحف والإذاعات، وترجمت إلى آلاف الكتب والرسائل، وأقيم من أجلها ما لا يحصى من المؤتمرات والندوات والجمعيات والهيئات، كل ذلك لم يكن ليتحقق لولا الغزو العقدي الذي مني به طائفة من المسلمين خلال تربيتهم في هذه المدارس، ويسهرون على نشره ونصره بين مجتمعاتهم اليوم.
الخطر التعليمي والتربوي:
إن ما قام به التعليم الأجنبي ابتداء أشبه بإنشاء جدول صغير خاص به، وتحكم فيما يدخل إلى هذا الجدول كما تحكم في مصبه؛ يسقي منه من شاء، ثم أخذ بتوسيع ذلك الجدول شيئًا فشيئًا، ثم عمد مع الوقت إلى تحويل مجرى الماء الأساسي إلى جدوله لينبع منه ويصب في مصبه هو.
إن من أخطر ما قامت به المدارس الأجنبية أنها استطاعت أن تضع المعايير التي تقاس بها جودة التعليم وفقًا لمآربها هي، مع أن معايير القياس في تجردها فيها جزء مطلق وجزء آخر تحكمه عقيدة المجتمع، لكن الذي حدث أن المدارس فرضت ذلك من خلال طبع صورة الانبهار بها لدى العقل العربي ابتداء، ثم بتمكين خريجيها من توجيه المجتمعات لاحقًا؛ مما أدى إلى فرض صيغة مأزومة للمعايير التي تحكم سير العملية التعليمية الوطنية بعد أن أحاطتها بسياج من الجمود والتخلف والتبعية.
ولو تفحصنا نظرة التربويين إلى عملية التربية لوجدنا أن الأمم الغربية كان لديها حساسية من استعارة معايير خارجة عن المجتمع وظروفه وأهدافه العليا حتى وإن اتفق الطرفان في جزء كبير من العقيدة واللغة والتاريخ. يقول كونانت أستاذ التربية الأمريكي الشهير في كتابه: (التربية والحرية) : «إن عملية التربية ليست عملية تعاط وبيع وشراء، وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنكليزية والأوروبية إلى بلادنا الأمريكية» (1) .
إن استيراد نظريات التربية الغربية ومعاييرها لا يناسب حال الإنسان المسلم ولا تطلعاته خاصة مع وضوح المفاصلة التي جاء بها القرآن وامتلاء التاريخ بصفحات الكيد والمكر؛ فإذا كانت التربية تعني سعي الأمة للاحتفاظ بنظرية سبق أن آمنت بها، وأقامت عليها حياتها، وجاهدت في سبيل تخليدها.. بنقلها إلى الأجيال القادمة.
ومن ثم فهي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها. ووظيفة المدرسة أن تمنح القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكنه من الاحتفاظ بحياة الشعب وتمديدها إلى الأمام» (2) .
ومن خلال هذه الرؤية التي تزداد خصوصية ووضوحًا إذا ما تعلق الأمر بخير أمة أخرجت للناس نرى أن خطر التعليم الأجنبي لم يقتصر في مزاحمته تعليمنا الداخلي الذي أريد له التخلف والقصور، وإنما في كونه أصبح هو الذي يمسك له البوصلة التي تحدد له اتجاهاته ومساراته، وقيمه ومعاييره، وأهدافه ووسائله، وهنا مكمن الداء في أن الاختراق نجح بإشعاعاته أن يقلب كيميائية التعليم في عدد من بلادنا إلى خلايا سرطانية تتغذى بغذاء الجسد وتعمل في ذات اللحظة على هدمه.
الخطر على الهوية: