خرَّجت المدارس الغربية عشرات الأجيال من المتغربين: منهم من خلع عن نفسه ربقة الإسلام كلية واستبدل بها ما دونها، ومنهم من تشبع بانهزامية وانسحاق أمام الغرب، ومنهم من لم تكن العقيدة ذات بال عنده فانسلك في سياق مادي وقدم نفسه عميلًا أينما وضعه الغرب وجده، ومنهم من انكمش داخل ذاته، ومنهم من رفض كل ذلك لكنه بقي مخترَقًا ببعض القيم الغربية التي تحول بينه وبين الحركة الصحيحة، ومنهم من رفض ذلك علانية فأُقحم في سلسلة من الإهانات والعواصف النفسية التي جعلت منه أنموذجًا مأزومًا منطويًا على نفسه.
هذه المدارس صاغت أخلاق التلاميذ وكونت أذواقهم، والأهم أنها علمتهم اللغات الأوروبية التي جعلت التلاميذ قادرين على الاتصال المباشر بالفكر الأوروبي، فصاروا مستعدين للتأثر بالمؤثرات التي احتكوا بها أيام الطفولة (أي التعليم على الطريقة المسيحية) (1) .
إضافة إلى أثر اللغة التي يتعلم بها؛ فثمة علاقة قوية بين اللغة والتكوين العقلي والنظرة إلى الوجود أثبتتها الدراسات الحديثة في علم اللسان،"فأسلوب الاستجابات والمواقف في مجتمع من المجتمعات يرتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة والفكر؛"وعلى هذا فإن الصيغ تؤثر في الذهن وتنظم التفكير بشكل معين". والبناء اللغوي الذي يتلقاه الفرد من محيطه مسؤول مسؤولية مباشرة عن الطريقة التي ينظم بها نظرته إلى العالم (2) ."
إن إحدى كبريات المعضلات التي يخلفها التعليم الأجنبي هو غرس بذرة القابلية للاستعمار لدى نفوس أتباعه. يقول المستشرق جب:"إن التعليم هو أكبر العوامل الصحيحة التي تعمل على الاستغراب، وإن انتشار التعليم (أي على الطريقة الغربية) سيبعث بازدياد ـ في الظروف الحاضرة ـ على توسيع تيار الاستغراب وتعميقه، ولا سيما لاقترانه بالعوامل التعليمية الأخرى التي تدفع الشعوب الإسلامية في نفس الطريق". وقد أشارت بعض الصحف والمجلات إلى ضعف قضية الولاء لدى خريجي هذه المدارس والجامعات، سواء على مستوى الدين أو على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع.
وأخطر من الاستعمار السياسي والاقتصادي ما يعرف بالاستلاب العقدي؛ لأنه يجعل الإنسان يدور في فلك وإطار حياتي رسم له ولا يرى له وضعًا غير وضعه، ويلجأ إلى ما يسميه بعض المثقفين بالتماهي؛ وهو انبناء الشخصية تبعًا لأنموذج معين حتى يصبح الشخص هو الآخر بأن يكتسب صفاته وهويته دون إدراك منه.
وقد حرصت كثير من الكنائس الشرقية القديمة على بناء المدارس إلى جنب الكنيسة؛ بل في حضن الكنيسة في كثير من الأحيان إشارة منها إلى سلطة العقيدة على الحياة.
ويقول المستشرق"شاتلي":"إن أردتم أن تغزوا الإسلام وتخضدوا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة؛ فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم المعنوي وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتهم وتاريخهم، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء منهم لكفانا؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها" (1) .
ومع أن لهذه المدارس جوانب لا تنكر في طريقة العرض، وفي جاذبية المناهج، وفي متابعة الطالب وإدارة العملية التعليمية، ولكنها بمثابة ما في الخمر من فوائد؛ لأنها وهي كذلك تعطي مفاتيح مغلوطة للعلم من حيث كنهه وهدفه ووسائل تحصيله ومجالات استثماره خاصة حين يصب في خدمة أعداء الله. نعم! هي تعمل على تنمية الفرد ثقافيًا وتجعله يفكر بطريقة منظمة لكن في إطار ما تريد هي، وينتفي هذا النظام إذا تعلق الأمر بالإسلام أو الثقافة أو الحضارة العربية. إذن هي لا تعطيه قيمًا تعليمية أو تربوية مطلقة يمكنه من خلالها التفكير المستقل عن الإطار الذي رسم له (2) .
ولا يخفى خطرها في إعادة تشكيل الهوية من خلال توظيفها لكل متاح لديها ليخدم في هذا المجال من خلال:
-منظومة القيم التي تحتكم إليها المدرسة ـ نصرانية كانت أو علمانية ـ في إدارتها وفي حكمها على الأمور وكأنها تعوِّده على الرجوع إليها، حتى إذا ما أصبح هذا الخريج في يوم من الأيام مفاوضًا عرفوا كيف يوظفون مواقفه لصالحهم، بل إن قناعته بكثير مما يطمح الغرب إليه يصبح أمرًا ذاتيًا لديه.
-رسم خريطة الأحلام المستقبلية للطالب؛ بحيث يوضع في اعتباره القيمي مجموعة من الأهداف المستقبلية والطموحات التي ليس من بينها طبعًا العيش في بلاد الإسلام ولا خدمة مصالحها.
-توظيف مناهج هذه المدارس وهي وافدة تدرس بلغة بلدها الأصلي، وتعرض تاريخه وتطوره وثقافته ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ ومن ثم تتجذر قضية الهوية المغايرة في شعور الطالب دون أن يستطيع فهم طبيعة مشكلات مجتمعه هو ولا ينشغل بقضاياه.
وتصبح اللغة الأجنبية لديه لغة العلم والحضارة والتحدث، وتُجعل قالبًا للخبرة القيمية؛ لأن اللغة حين تنتقل بتعبيراتها ومضامينها إلى الطالب يتشرب تلك المضامين دون وعي منه.
-الجوانب الأدبية والتاريخية، وهي عنصر إلهام؛ فالتاريخ الذي يدرسه الطالب في هذه المدارس ليس هو تاريخ الإسلام، وإنما تاريخ القومية التي تتبعها المدرسة؛ وفي هذا ترسيخ لمفهوم الشعوبية والقومية؛ فعلى سبيل المثال تصور الحروب الصليبية على أنها حملات تنوير، أو أن أسبابها ليست عقيدية وإنما سياسية أو اقتصادية، وأنها نتيجة لخلاف سياسي ناتج عن تنازع المصالح أو عدم تقدير الجانب العربي لمصالح الجانب الغربي؛ ومن هنا تتشكل معالم تذوق جديدة للخير والحق والجمال.
-المعايشة. ومعلوم أثر المعايشة والجو التربوي في بناء الشخصية؛ لأن كثيرًا من المستعصيات يمكن أن تحل عن طريق المعايشة.
-وما تقوم به من حملات التشهير المغرضة ضد الإنسان العربي المسلم، ورموزه، ومعطياته الحضارية عبر التاريخ الطويل.
-تعويد الطالب على الفوضى الفكرية باسم التحرر الفكري والحوار؛ حتى يمكنه أن يغير أفكاره كما يغير ملابسه، ولو ذهبنا نتتبع الموضات الفكرية والسياسية المطلة علينا من الغرب لاكتشفنا الصلة المباشرة والقوية لها بالتعليم الأجنبي.
لقد زاد من اتساع الهوة بين الشباب وبين هويته الأصلية أن هذه المدارس ربطت نفسها بمنظومة مستمرة لا تدع للإنسان قرارًا منذ أن يقرع بابها إلا على الموت؛ فهي بعد تنشئته تغرس فيه الطموح إلى السفر إلى الغرب لاستكمال التعليم، كما تضمن له غالبًا وظيفة مرموقة في شركة من الشركات الأجنبية براتب مرتفع لتزداد العلاقة بالمجتمع تصرمًا وانقطاعًا، ثم تفتح له باب الزواج من غربية، ثم تحيطه بإطار واسع ومتشعب من الصداقات والعلاقات الاجتماعية في إطار أعرافها الاجتماعية والثقافية (1) .
الخطر الأمني (2) :
يتسع مفهوم الأمن ليشمل إلى جانب أمن النظام كمظلة وأمن المجتمع كمحضن ليشمل أمرين سابقين مقدمين عليهما وهما: العقيدة بوصفها أساسًا يقوم عليها النظام والمجتمع، والولاء باعتباره صلة تربط بين مكونات المجتمع والدولة. والمفترض أن تعريض واحد من هذين الأمرين للخطر حتى ولو على مستوى فرد يعني تعريض أمن الأمة للخطر. وللأسف فإن نظرية الأمن القومي الأمريكي قد راعت هاتين المسلَّمتين ـ بينما أغفلت في الحس العربي ـ ولكن بنظرتها المخالفة؛ لكنها تقيم لفكرها المنحرف وإنسانها مهما كان وأين كان هذا الاعتبار الأمني.