فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 719

خوفًا من تبعاته وآثاره ، وحذرًا من مخاطره وسلبياته ، وهو موقف فئة صادقة الانتماء للدين والأمة ، حريصة على عزتها ومكانتها ، ولكنها بسبب الثبات المطلق تتشبث بالقديم حتى لمجرد قدمه أحيانًا، وتنفر من الجديد وخاصة في عالم الأفكار والرؤى ، حتى لمجرد جدته أحيانًا .

الرابع: موقف المتقبل لقضية التغيير بشروط وضوابط شرعية وعقلية ومصلحية:

وهو موقف جمهور العلماء والدعاة ، وخاصة علماء الصحوة ، ورجالات الثقافة والفكر والأدب وغيرهم من أصحاب التخصصات التي يستند أصحابها على مبدأ الخصوصية العقدية والعبادية والفكرية والثقافية والمنهجية والتطبيقية العملية ، وهو المبدأ القائم على قاعدة: (الإسلام عقيدة وعبادة ، وأعمال وأخلاق ، وشعيرة وشريعة ، ودين ودولة ، ومصحف وسيف ، وأصالة وحضارة ) .

ولعل من الممكن ذكر أهم العناصر الرئيسة المستشفة من أقوالهم وتصريحاتهم ومقالاتهم في قضية التغيير كما يلي:

1-التغيير بمفهومه القرآني يبدأ من الداخل: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم} (18) ، تغيير المعتقدات والأفكار الفاسدة التي تؤدي إلى دين فاسد ، أو دنيا فاجرة ؛ بمعتقدات صحيحة قويمة سليمة ، وتغيير المشاعر و الإيرادات السلبية ، وإحلال أخرى إيجابية مكانها ، وتغيير المسالك والأعمال الخاطئة (دينيًا أو دنيويًا) ، وإيجاد البديل الصالح .

2-الدعوة إلى التغيير مطلوبة معقولة وذات مصلحة إذا صدرت من صادقي الانتماء للأمة ، ولكنها ستكون متهمة ومشكوك فيها إذا جاءت متناغمة ومتعاطفة مع حملات الأعداء ووكلائهم .

3-التغيير عملية إصلاحية كبرى ، ومع ذلك يجب ألا يتحول التغيير إلى مذهب معتنق وعقيدة متبعة ؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التغييرات المطردة نوعًا وكمًا ، في كل شيء ، وهذا يعني العدمية وعدم الثبات ، وإبطال القواعد والأصول والكليات والثوابت ، وهذا ما يسعى إليه الأعداء والمتأثرون بهم ، أو العاملون لصالحهم ، فهناك فرق بين كون التغيير مطلبًا يُستدعى عند الحاجة إليه ؛ لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، وكونه مذهبًا يستعمل في كل آن ، ويستدعى في كل حين ولكل قضية.

4-إن دعوات التغيير المصوبة نحو القضايا الثقافية والمناهج التعليمية والدينية والمسائل الشرعية ؛ أسهل تناولًا وأخف تبعة ، فهي الجدار القصير الذي يمكن لكل أحد أن يتسلقه ، والملاحظ أن دعاة التغيير لا يذكرون شيئًا عن الأمور الأكثر سخونة والأشد عمقًا ، والأقوى تأثيرًا ، فمناهج التعليم تخرج الإنسان الصالح والمؤمن التقي ، والفاسد الشقي ، كل حسب فهمه ومقدار أخذه وقناعته ، ولكن المظالم العامة والانتهاكات للحقوق ، والطبقية المناطقية ، والعنصرية القبلية، والأسرية والفئوية، والرشوة والفساد ، والواسطة وإضاعة الحقوق والمماطلة والاحتكار ، والطبقية المالية المتباينة ، والربا وأشباهها لا يذكرها دعاة التغيير ؛ مع أنها هي التي تدمر البلاد وتفسد العباد ، وتوجد البغض والشنآن بين الراعي والرعية ، وبين الرعية نفسها ، وفي ذلك نصوص صريحة من كلام ربنا تعالى ، وكلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن تجارب الأمم والشعوب والدول .

5 -إن كل صاحب رأي ثاقب وعلم واسع وإطلاع جيد على نصوص الكتاب والسنة ، والأخبار والحوادث التاريخية ؛ يجد أن كل غاز يتخذ ما يشاء من ذرائع للاحتلال والعدوان ، فها هو العراق لم يكن لديه أسلحة دمار شامل ، وها هي سوريا لا توجد فيها مناهج تعليم ترتكز على قضايا الكفر والإيمان ، وعقيدة الولاء والبراء ـ التي يسميها بعض الجاهلين الانفصال عن الآخر ـ . وها هي إندونيسيا لا يوجد فيها شيء من هذا ، وها هو المغرب كذلك .

بل كل هذه البلدان غيرت وجهة الثقافة والتعليم من الإسلامي الصريح ؛ ليكون أشبه بالتعليم الغربي ، وأخرجت المرأة من عرشها المصون ، وحصنها المنيع ومكانتها الراقية ؛ لتتشبه بالغربية في العمل والاختلاط والسفر والسهر والرياضة واللعب ، ومع ذلك احتُلت العراق ، وسوريا تحت مطرقة التهديد ، وفصلت تيمور عن إندونيسيا ، والصحراء المغربية ما زالت شوكة في حلق أهل المغرب ؛ إضافة إلى سبتة ومليلية.

6 -التغيير الثقافي والفكري بالطريقة الأمريكية يستهدف إيجاد «غلام أحمد ميرزا القادياني» ، ومفتي الهند في عهد الاستعمار «إسماعيل بن الوجيه المراد أبادي» المشهور باللندني ، نسبة إلى لندن التي عاش فيها وتزوج فيها ، وكان يقال له لماذا لا تحج فيقول: «أنا لا أعتقد في الجدران» ، فجعلوه مفتيًا بدل عالم السنة والحديث الشيخ «إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي» (19) .

7-التغيير بالصيغة الأمريكية والعلمانية عملية شاملة بل (مذهب) متبع ، ودعاة التغيير المتناغمون مع الطرح الأمريكي معروفون ، ليس فيهم من يوثق بعلمه الشرعي ، ولا حميته الإيمانية ، ولا الفهم الجيد ولا العلم الصحيح ولا الإدراك المتكامل ، بل فيهم من أهل الأهواء والأمراض الفكرية ما يستوجب الحَجْر عليه حتى الشفاء من دائه ، ونحو ذلك من أقوال ومواقف صادرة من طائفة مغموسة بالأهواء ؛ مغموسة بالإشكالات الفكرية والعملية ، منتسبة إلى البلدان الإسلامية اسمًا ورسمًا ، وللغرب حقيقة ومضمونًا .

8 -عملية التغيير التي تدعو إليها شرائح الاستعارة الفكرية ، عملية خطيرة ذات أبعاد شمولية متكاملة ـ وفق التصورات الأمريكية وليس وفق شروط محلية أو وطنية ولا دينية ـ هذه العملية قد تتم ـ إلا أن يشاء الله ـ ربما بصورة متدرجة ، وسينال الوضع الديني والتعليمي والخيري والمرأة أكبر النصيب في البداية ، ثم إن تواصلت ـ في ظل سكوت أهل الحق والغيرة على الأمة ومصالحها ومقوماتها - فستصل إلى التخوم الخطيرة ، المستهدفة أصلًا ، وسينتج عن ذلك من الصراع الاجتماعي والثقافي ـ وربما المادي ـ ما لا يعلم مداه إلا الله ، فهذه طبيعة التغييرات العصرانية والعلمانية التي تمت في بلدان عديدة من بلاد المسلمين ، وما زال الجميع يكتوي بنيرانها إلى اليوم ، بل أصبح من يدعو للتدين ولو بصيغه الوعظية ، في مقام المتهم والممنوع ، و الأمثلة عديدة من ديوان المأساة العلمانية المليء بالمآسي والقهر والظلم والعدوان.

وبناءً على هذا يرى أهل العلم والإيمان أن الدخول في هذا المعترك ـ الذي أقل ما يقال فيه أنه ملتبس وغامض ـ ينطوي على أمور مشبوهة في منطلقاتها ومآلاتها، وهم يعارضون دعوات التغيير الأمريكي ومعهم حجج قوية، وشواهد صارخة، وبراهين واضحة، ويمكن للمنصف ـ حتى وإن خالفهم ـ أن يتفهم موقفهم هذا وأن يقدره، فهؤلاء الدعاة والعلماء والمثقفون المسلمون أصدق مواقف، وأكثر انتماءً للأمة وفيهم علماء الشريعة ، وأهل الفتوى ، وأرباب الدعوة وأهل الصلاح ، وهم الأقدر على تقدير مصلحة الأمة من أولئك الذين قام بهم سوق المزايدة ، وراجت بهم بضاعة المناكدة ، وغرقوا في الوهم واللبس والوهن والخور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت