9 -ومع ذلك فهذا الصنف لا يعارض التغيير الإيجابي النافع ؛ لأنهم يرون أنه لا يعارض (التغيير) الإصلاحي إلا جامد ، ولا يقاومه إلا يابس أو يائس ، أو مستفيد من الأوضاع الفاسدة ، أو خائف من نتائج الإصلاح الحقيقي ، والمراد هنا الإصلاح القائم على شروط الأمة وخصائصها وموقوماتها ، والمتجه نحو مصالحها الحقيقية حالًا ومآلًا ، وليس (مذهب التغيير) الذي يملى علينا ليتم وفق المصلحة الأمريكية ، كما يمارسه الحاقدون على الثقافة الإسلامية وأدبياتها المسلكية المعبرة عنها ؛ كالأنشطة الإسلامية في المدارس ، والتسجيلات الإسلامية، والمنابر الدعوية ، والمدرسين الدعاة ، والأنشطة غير المنهجية في المدارس . والكارهون لحجاب المرأة وعفتها وصيانتها ومكانتها .
10 -أختم هنا بذكر نموذج التغيير الذي تطلبه أمريكا وترغب فيه ، بل وربما تلزم به ، ومعالم هذا التغيير (الأمريكي) المنهجي والشرعي والتعليمي والاجتماعي يصب لصالح اليهود أولًا وأخيرًا ، ولن يكون هو نهاية المطالب ، ولا غاية الرضا عند هؤلاء وأولئك ، فحتى لو أُعطوا ما يطلبون فلن يرضوا ولن يقبلوا ؛ لأنه لا حد للجشع اليهودي ولا سقف للمطالب الصليبية ، وصدق العليم الخبير: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (20) ، وقال تعالى: { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} (21) ، والأمر تجاوز مجرد التصريح أو إثارة ما أسمي بمفهوم الإسلام المعدل إلى الدخول في التفاصيل؛ فللإسلام المعدل ملاحق تنفيذ؛ فقد أرفقت الإدارة الأمريكية بمنهاج «الإسلام المعدل» ملاحق تنص على حذف مجموعة من الأحكام الإسلامية المتعلقة بالجهاد والحث على كراهية المشركين واليهود، وبالإضافة إلى تلك الأحكام تطالب الإدارة الأمريكية بضرورة منع تحفيظ القرآن الكريم للأطفال الصغار؛ لأن ذلك بمثابة «غسيل مخ» وفرض توجه فكري محدد لا يستطيعون تمييزه في هذه السن المبكرة»
ولكن مما يؤسف له أن عددًا من النخب الثقافية والإدارية لديها الاستعداد ـ خوفًا أو طمعًا ـ لقبول خطة التغيير كاملة أو مجزأة ، وهناك من يطالب بالإسراع في ذلك تحت حجة أن لنا في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية قدوة ، وهؤلاء هم التفسير الواقعي لقول الله ـ تعالى ـ: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (22) .
ومع ذلك فلن تزيد هذه المطالب الأمة إلا قوة في دينها، ومعرفة أكثر بعدوِّها، ويقينًا بوعد الله لها، {لَن يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذًى وَإن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ} (23) .
{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (24) .
المبحث الثاني
ما هو التغيير المطلوب؟!!
الواقع بعدما استعرضنا هذه المقدمة التي لا بد منها لنفهم الأبعاد من وراء هذه الهجمة الشرسة على العالمين العربي والإسلامي ، تبقى المسألة تحتاج إلى طرح آخر فحواه: ما هو التغيير المطلوب ؟ وبذا نعلن الرغبة في التغيير من منطلق شرعي علمي مؤصل ، وإن كنا نوافق الكثيرين ممن ذهب إلى أن التغيير المطلوب ما كان له أن يبرز في هذه الآونة ، ولا في مثل هذه الظروف لئلا يفهم فهمًا سقيمًا ، وينظر إليه على أنه مجرد نتاج للضغوط الخارجية ، وتنازل أمام مطالب الأعداء السادية لا عن قناعة ورغبة حقيقية !.
ولا شك أن وجهة النظر هذه معتبرة جدًا ، ويجب ألاَّ تُغفل أو يُغفل عنها ونحن بدورنا يحدونا الأمل بالرغم من ذلك أن يُفهم الهدف من طرحنا ، وأنه لله تعالى وأننا لا نبتغي أن نكون فيه مجرد أبواق تردد مزاعم أعداء هذا الدين القويم ، أو أننا نريد مخالفة أهل الخير والرؤى الصائبة من أتباع ديننا العظيم .
وإذا كانت قد بذلت جهود مباركة -ولا تزال تبذل- من أجل عودة الناس إلى دينهم وعقيدتهم ، وحيث حققت هذه الجهود _ بعد توفيق الله _ تلك الآثار الإيجابية التي نراها من عودة الأمة إلى الله جماعات وآحادا ، رجالًا وركبانًا ، فإن واجب العلماء وطلاب العلم والدعاة أن يوجهوا جل اهتمامهم لتربية هذه الجموع ، ويبينوا لهم الطريق الصحيح ، لئلا تغرق السفينة بمن فيها ، فإن العبرة ليست (بالكم) ! ولكن (بالكيف) !!.
يقول الدكتور البوطي:"فلتعلم أن المسلم الذي لا يلتزم جهد استطاعته بأحكام الإسلام ، أو يلتزم ولا يكون مدفوعًا إلى ذلك طلبًا لمرضاة الله تعالى وحده ، لا يكون عمله في الدعوة ، إن هو قام بها ، إلا كمن يفتح صنابير مياه على حوض ترك مصرف المياه مفتوحًا في قعره . قد يتجمع شيء من الماء فيه ، ولكنه آيل إلى الذهاب والضياع" (25) .
ثم يواصل قوله:"لقد كانت مهمة الدعوة إلى الإسلام من الفروض الكفائية ،كما قال العلماء ، يوم كانت المجتمعات الإسلامية ، تسير قدمًا في طريق الإسلام ، بدفع من اتجاهها الذي وضعت نفسها فيه ، دون أن يكون على الطريق أو عن يمنه أو يساره ، من يتربص بها الدوائر ، ويختلق لها العقبات ، ويصدها عن الوصول إلى الغاية بنيران الشهوات والأهواء."
أما اليوم ، وقد جندت كل امكانات الدنيا ، من مال وطاقة ونساء وفكر ، في سبيل الصد عن صراط الله والوصول إلى مرضاته ، فقد أصبحت مهمة الدعوة الإسلامية فرضًا من الفروض العينية ، يخاطب به كل مسلم صادق مع الله في إسلامه ، ولم تعد مقتصرة على ثلة من الناس ، مهما بلغ شأنهم ومهما كانت أهميتهم" (26) ."
ونحن وإن اختلفنا مع سماحته فيما ذهب إليه ، إلا إننا نوافقه في المقصود منه !.
حيث بين أن الخطب جلل والغاية كريمة فلا بد أن تبذل في سبيلها كل الطاقات والامكانات المتاحة ، ويبقى أن ذلك كله مداره على الفروض الكفائية كما بين ذلك المولى تبارك وتعالى في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (27) .
فضل الدعوة إلى الله أهميتها:
والدعوة إلى الله فضلها عظيم فهي مهمة الرسل والأنبياء، وهم أشرف الخلق وأكرمهم على الله ، وهم الذين اختارهم الله لهداية البشر ، والعلماء هم ورثة الأنبياء ، وقيامهم بالدعوة أعظم تشريف لهم.. قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (28) ، ومن فضل الدعوة إلى الله أن: [من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. ومن دعا إلى ضلالة كان له من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا] (29) .