فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 719

والدعوة إلى الله هي التي من أجلها شرّف الله بها أمة الإسلام جميعًا فجعلها بذلك خير أمة أخرجت للناس ، لأنها حملت رسالة الله إلى العالمين ، وجاهدت بها كل الأمم فهم خير الناس للناس.

يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ـ حفظة الله ـ: فالمقصود والهدف الأعظم من الدعوة هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجوا من النار، وينجوا من غضب الله ، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى ، وإخراج الجاهل من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة ، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ } (30) .

أركان الدعوة .. أو فلنقل أركان الخطاب الديني:

لقد توصلت من خلال الاستقراء والبحث ، ولا أجزم أنه الكامل أو الشامل ، أن الخطاب الديني يرتكز على خمس أسس رئيسة من فوقها يعلو بناء الخطاب ويشتد عوده ، وتظهر فائدته ، وترسخ في عقول وأفئدة الأجيال قيمه ودواعيه وهي:ـ

( أ ) الخطيب ، أو الداعية .

(ب) المخاطب ، أو المدعو وثقافته .

(ج) وسيلة الخطاب ، أو الدعوة منهاجها .

( د ) نوعيه الخطاب ، أو كيفيته ( مراعاة المكان والزمان ) .

( هـ) العائد من الخطاب ، أو الهدف من الدعوة .

أولًا: الخطيب أو الدعية:

هذا هو الركن الأول ، والهام في هذا البناء . بدونه لا يرتفع للخطاب بناء ، ولا ترسخ له أسس ، وإن أهمل شأنه كنا بالخطاب كمن يحرث في الماء .

ومن هنا وجب العمل الدؤوب لإعداد العلماء والدعاة الربانيين، الذين يجمعون بين المعرفة الإسلامية، والرؤية العصرية، مع الغيرة الإيمانية والأخلاق الربانية ؛ لأن المسلمين أحوج ما يكونون اليوم إلى الداعية البصير، والعالم المتمكن ، الذي إذا استقضى قضى بحق ، وإذا استفتى أفتى على بينة ، وإذا دعا إلى الله دعا على بصيرة.

مبحث

الشروط الواجب توافرها في الخطيب الداعية

ما هي الشروط الواجب توافرها في هذا الخطيب الداعية ؟.

1.أن يكون مهمومًا بدعوته ، مخلصًا لها ، صادقًا في قصده .

والإخلاص أمر عسير شاق على النفس ، صعب عليها، يحتاج صاحبه إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج العبد معه إلى مراقبة للخطرات والحركات، والواردات التي ترد على قلبه، فيحتاج إلى كثرة تضرع لله عز وجل .

يقول أويس القرني رحمه الله (31) :'إذا قمت فادعو الله يصلح لك قلبك ونيتك ، فلن تعالج شيئًا أشد عليك منهما' .

و من الأمور الدالة على أهمية الإخلاص ، وعظيم منزلته: أنه حقيقة الإسلام الذي بعث الله عز وجل به المرسلين عليهم الصلاة والسلام: كما ذكر الشيخ تقي ابن تيمية ( رحمه الله) ، فقال: ' إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا غيره كما قال الله تعالى:

ويستلزم إخلاص النية لله في الدعوة وفي كل طاعة وقربة ، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل ، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص ؛ أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية ، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس يبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ، يتعلم ويعلم ، ويتوخى الحق أينما كان (34) .

الإخلاص في الكتاب والسنة:

تارة: يأمر الله عز وجل به، كقوله: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... (35) .

وتارة: يخبر أنه دعاء الله لخلقه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ... (36) .

وتارة: يخبر أن الجنة لا تصلح إلا لأهله، كما قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (37) .

وتارة: يخبرنا بمواضع أنه لن ينجو من شَرِكِ إبليس إلا من كان مُخلِصًا لله عز وجل، كما قال: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (38) . بعدما توعد أنه سيضل الخلق أجمعين ، ويستهويهم بوساوسه وخواطره ، وإضلاله وتزيينه.

وأما ما ورد في السنة فكثير، ومن ذلك:

ما جاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّy قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ ـ يعني يريد الأجر من الله عز وجل ، ويريد أن يُذكر يقال: فلان مجاهد - مَالَهُ ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَهُ] فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا شَيْءَ لَهُ] ثُمَّ قَالَ: [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ] (39) .

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ y قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ] (40) .

فالأعمال التي تختلط فيها الإرادات ، ويتلفت صاحبها يمنة ويسرة يريد ما عند الله ، ويريد ما عند المخلوقين ؛ هذه الله غني عنها ، ولا يعبأ بها ، ولا يقيم لها وزنًا.

وجاء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ y مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين أن محل نظر الله عز وجل إلى قلب العبد ، وهو محل الإخلاص ، والقصد والنية ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ] وفي لفظ: [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ] (41) .

وحديث: [ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...] (42) . شاهد واضح في الدلالة على هذا المعنى ، ونحن لو أردنا أن نستقصي الآيات والأحاديث التي تدل على أهمية الإخلاص ، ومنزلته، وعظيم أثره ؛ لما كفى لاستيعابها هذه الأطروحة ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق (43) .

2 .من شروط الخطيب الداعية أن يكون حكيمًا عليمًا حليمًا .

أولًا: الحكمة:

نستطيع القول أن الدعوة حتى تكون مؤثرة ومثمرة لابد أن تكون بحكمة ، أسأل الله أن يحسن لنا المقاصد والنيات ، وأن يوفقنا للحكمة في أقوالنا وأفعالنا ، ونياتنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير. ولما للحكمة من مكانة عظيمة من الكتاب والسنة ، ولحاجة الأمة حاضرًا ومستقبلًا إليها في كل شؤونها ، فكان حتمًا ولا بد أن نعرض لها توضيحًا وتفصيلًا ، مستندين في ذلك إلى الكتاب والسنة ، وآراء السلف الصالح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت