قال الله - جل وعلا: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (44 ) . وقال ـ سبحانه ـ: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (45) .
قالوا في الحكمة: إتقان العلم والعمل، وبعبارة أخرى: معرفة الحق والعمل به .
وفسرت الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة ، أي: بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ، ولا يغلط في العلل والأسباب .
وقال صاحب مختار الصحاح:"وصاحب الحكمة والحكيم المتقن للأمور" (46) .
وقال ابن منظور:"وقيل: الحَكِيمُ ذو الحِكمة ، والحِكْمَةُ عبارة عن معرفة أَفضل الأَشياء بأَفضل العلوم . ويقال لمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها: حَكِيمٌ" (47) .
وقال الطبري:"ليست بالنبوة ولكنه القرآن والعلم والفقه ، وقال آخرون معنى الحكمة الإصابة في القول والفعل" (48) .
وقال ابن كثير:
قال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم.
وقال السدي: الحكمة النبوة .
وقال أبو مالك: الحكمة: السنة.
وقال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل.
والصحيح أن الحكمة ـ كما قاله الجمهور ـ لا تختص بالنبوة ، بل هي أعم ، وأعلاها النبوة ، والرسالة أخص ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع ، كما جاء في بعض الأحاديث (49) .
وقال الألوسي:"إن فيها تسعة وعشرين قولًا لأهل العلم ، قريب بعضها من بعض ، وعد بعضهم الأكثر منها اصطلاحًا واقتصارًا على ما رآه القائل فردًا مهمًا من الحكمة ، و إلا فهي في الأصل: مصدر من الإحكام ، وهو الإتقان في علم أو عمل أو قول أو فيها كلها" (50)
وقال سيد قطب -رحمه الله- حيث فسر الحكمة بأنها:"القصد والاعتدال ، وإدراك العلل والغايات ، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال" (51) .
يقول الدكتور ناصر العمر ـ حفظة الله ـ:"ونستطيع أن نقول: إن المفسرين فسروا الحكمة بتفسيرين: الأول: النبوة."
الثاني: العلم والإتقان ، والتوفيق، والبصيرة ، والعمل الصائب ، ومنع الظلم ، ووضع الشيء
في موضعه ، وكلها معان متقاربة" (52) ."
أما في السنة فقد وردت الحكمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ (53) .
قال البخاري: الحكمة: الإصابة في غير النبوة.
وقال ابن حجر: واختلف المراد بالحكمة هنا:
فقيل: الإصابة في القول.
وقيل: الفهم عن الله.
وقيل: ما يشهد العقل بصحته.
وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس.
وقيل: سرعة الجواب بالصواب.
ومنهم من فسر الحكمة هنا بالقرآن (54) .
-وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق ، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (55) .
والحكمة هنا فسرت بالقرآن ، كما وردت في حديث آخر. (56)
يقول الدكتور ناصر العمر ـ حفظه الله ـ:"هناك عدة تعريفات أخرى للحكمة وهي لا تخرج عن معنى التعريفات السابقة ، ولكن ذكرها يزيد الأمر وضوحا ، ومن ذلك:"
1-قيل: هي وضع الشيء في موضعه (57) .
2-وقال ابن القيم: وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك ، إنها: معرفة الحق والعمل به ، والإصابة في القول والعمل ، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن ، والفقه في شرائع الإسلام ، وحقائق الإيمان (58) .
3-وقال رشيد رضا: الحكمة: العلم الصحيح ، الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير (59) .
4-قال الرازي: حكم الحكمة والعقل ، هو الحكم الصادق المبرأ من الزيغ والخلل ، وحكم الحسن والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة" (60) (61) ."
ثانيًا: العلم:
يقول تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (62) ، ويقول تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (63) . وقال تبارك وتعالى: { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } (64 ) .
أما السنة فعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ مَنْ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي ؟ . فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى .قَالَ:وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى ؟!. قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا .قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ؟!. قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ . قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: [ إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ ] (65) .
ـ و عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ] (66) .
ـ وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [ ... إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ] (67) .
والواقع إننا لو استرسلنا في الأدلة لما وسعنا المقام ولكن يكفي ما أشرنا إليه ، والخطيب الداعية لابد أن يجمع مع العلم ثقافة واسعة في جميع المجالات ، وهي: الثقافة الدينية ، واللغوية ، والتاريخية ، والإنسانية ، والعلمية ، وأن يكون كذلك على دراية بما يدور من حوله من أحداث التي يطلق عليها البعض فقه الواقع ، أو (الثقافة الواقعية) ، بشرط ألا يطغى هذا الجانب على غيره من الجوانب ، ولا يكون عاجزًا في المسائل الشرعية أو الدينية ، بينما هو أستاذ في جانب الواقع فهذا منفصل عن واقعه وإن كان يعيش فيه ؛ لأن المعرفة الواقعية التي لا يضبطها شرع ولا يحدها دين تكون أحيانًا وبالًا ، ومصيبة على صاحبها!.
ومن الأشياء التي أعجبتني"وأنا بصدد هذه الرسالة"أطروحة لفضيلة الدكتور ناصر العمر ـ حفظة الله ـ بعنوان"فقه الواقع"، وجدتها شافية وكافيه ، واقتطعت منها ما يلي: ـ"فقه الواقع: هو علم يبحث في فقه الأحوال المعاصرة ، من العوامل المؤثرة في المجتمعات ، والقوى المهيمنة على الدول ، والأفكار الموجهة لزعزعة العقيدة ، والسبل المشروعة لحماية الأمة ورقيها في الحاضر والمستقبل" (68) .