فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 719

ثم يستطرد قائلًا:"فهذا العلم يحتاج إلى قدرة فائقة على المتابعة ، والبحث في كل جديد ، فهو يختلف عن كثير من العلوم ، لذا يلزم المتخصص أن يكون لديه دأب لا يكل في متابعة الأحداث ، ودراسة أحوال الأمم والشعوب ، فلو انقطع عنه فترة من الزمن أثر على تحصيله ، وقدرته في فهم مجريات الأحداث وتقويمها. فهو أشبه بالطبيب الذي يلزمه أن يتابع كل جديد في مهنته ، فلو أن طبيبا تخرج في الجامعة منذ عشر سنوات ، بقي يعالج الناس من خلال دراسته الماضية ، دون النظر لما استجد من مخترعات في وسائل العلاج ، وما اكتشف من أدوية ، لأصبح طبيبا متخلفا عن الركب ، فجديد اليوم يصبح قديما في الغد وهكذا."

ولا أبالغ إذا قلت: إن الذي ينقطع عن متابعة الأحداث بضعة أشهر يحتاج إلى فترة مكثفة ليتمكن من ملاحقة الأحداث من جديد ، وبخاصة في عصرنا الحاضر ، الذي أصبح فيه العالم كقرية ، ما يقع في شرقه يؤثر يوميا في غربه ، وإذا وقع حادث ذو بال في أمريكا أثر على أسواق اليابان في اليوم نفسه ، وارتفاع الأسهم في (وول ستريت) بلندن ، يؤثر على قيمة الفول في البرازيل" (69) ."

الآثار الإيجابية لفقه الواقع:

قال الدكتور ناصر العمر ـ حفظة الله ـ:"هناك آثار إيجابية عظيمة لفقه الواقع ، فمن الخطأ تصور القضية مجرد مزيد من الثقافة ، أو إشباع غريزة حب الاستطلاع ، فالموضوع أهم من ذلك وأخطر ، بل لا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن مستقبل الأمة قد يتوقف على مدى فقه الواقع والتعامل معه ، فقد تتخذ مواقف مصيرية - لم تبن على أسس علمية - تؤدي بحياة الأمة إلى مهاوي الردى ، وكم من موقف اتخذ في حياة أمتنا المعاصرة ، لم يستمد من شريعتنا أذاقنا الذل والهوان" (70) .

ثم يسرد هذه الآثار بشكل يصلح لموضوعنا تمامًا فيقول: من آثار فقه الواقع:

?إحكام الفتوى وإتقانها . ?الدعوة إلى الله بحكمة وعلى بصيرة .

?الوصول إلى النتائج السليمة واتخاذ المواقف الصحيحة . ?التربية الشاملة المتكاملة . ?بعد النظر وحسن التخطيط . ?إبطال كيد الأعداء ، وفضح خططهم .

?حماية العلماء . ?الشعور بالمسئولية والتغلب على المعوقات .

وبعدما جمعت كل ما ذكره ـ حفظه الله ـ إجمالًا سأعرض له بشيء من التفصيل .

?إحكام الفتوى وإتقانها .

أشار ابن القيم -رحمه الله- إلى أهمية فقه الواقع للمفتي ، (71) والحكم على الشيء فرع عن تصوره ، كما قرر العلماء.

والمفتي يجب أن يعنى بهذه المسألة عناية خاصة ، وبالذات في الفتاوى المتعلقة بالمسائل المستجدة المعاصرة، ولذا نجد عدم ثقة كثير من الناس في بعض الفتاوى الصادرة من بعض طلاب العلم ، لأنها لم تبن على فقه دقيق للواقع المعاصر.

بينما نجد أن الفتاوى التي تصدر من علمائنا مبنية على تصور تام للأوضاع الجارية ، وفقه عميق للمستجدات ، تكتسب أهمية قصوى ، ولا تدع مجالا لطاعن أو مخالف.

ولذا فإن الفتوى تحتاج - في كثير المسائل - إلى فقه الأصول ، وفقه الفروع ، وفقه الواقع ، وإذا اختل ركن من هذه الأركان تداعت الفتوى ، وانهدّ جانبها.

ولا شك أن الفتوى إذا كانت محكمة ومتقنة لها أثر إيجابي في حياة الأمة حاضرا ومستقبلا ، ولن يتم ذلك إلا باستكمال شروط الفتوى التي حددها العلماء ، ومنها اكتمال التصور عن المسألة ، وهو فقه الواقع في المسائل المعاصرة.

? الدعوة إلى الله بحكمة وعلى بصيرة

من الملفت للنظر في عصرنا الحاضر وقوع بعض الجماعات الإسلامية والدعاة إلى الله في أخطاء أساسية في منهجهم ، وأسلوب دعوتهم.

وإذا تأملنا في أسباب ذلك نلمس أن أغلب هؤلاء على صنفين:

إما دعاة لديهم إدراك لواقعهم ، ولكنه لم يبن على أصول شرعية متكاملة ، نظرا لتقصير هؤلاء الدعاة في بناء دعوتهم على منهج أهل السنة والجماعة ، فوقعوا في أخطاء فادحة ، دفع أتباعهم ثمنها غاليا ، ولم يحققوا أهدافهم التي أعلنوها ، وهي إقامة حكم الله في الأرض ، نظرا للخلل في المنهج.

وآخرون لديهم علم شرعي ، ومنهجهم سليم في الجملة ، ولكنهم لا يفقهون الواقع ، ولا يتعاملون مع المرحلة التي يعيشونها ، فتخبطوا في أسلوب دعوتهم ، وتعجلوا الشيء قبل أوانه ، ولا يفرقون بين المنهج والأسلوب ، وإن كان الأسلوب فرعا عن المنهج ، فكانت النتيجة سلبية ، وذات أثر محدود.

ومن أجل التخلص من هذه السلبيات والأخطاء ، لا بد أن تكون الدعوة إلى الله مبينة على أسس شرعية ، مستمدة من الكتاب والسنة وفقه سلف الأمة ، ومن ذلك فقه الواقع ، وبهذا نجنب الدعوة وأتباعها المزالق والمخاطر والانحراف ، ونحقق قول ربنا (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (72) .

? الوصول إلى النتائج السليمة واتخاذ المواقف الصحيحة .

المواقف التي لا تبنى على النتائج السليمة المستمدة من المقومات الصحيحة ، آثارها خطيرة على الفرد والمجتمع ، والمجتمع الإسلامي يتخبط في مواقفه منذ سنوات طويلة ولا يزال ، ومن أسباب هذا التخبط المقدمات التي بنيت عليها هذه المواقف ، فأكثرها مواقف انفعالية أو وقتية ، تفتقر إلى الدراسة والتحليل ، وأحيانا تكون مبنية على دراسة قاصرة ، تكون نتائجها غير سليمة ، فيتخذ القرار الخاطئ .

وفقه الواقع يحول دون الفوضى والتخبط ، ويصبح لدى من يملك القرار تصورا متكاملا عن القضية ، مما يمكنه من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، دون قصور أو ارتجال.

? التربية الشاملة المتكاملة .

مما يلحظ على كثير من الجماعات المعاصرة عدم شموليتها واهتماماتها الجزئية ، فهذه جماعة تعني بالتربية الروحية ، وأخرى بالتربية الفكرية ، وثالثة تربي أفرادها تربية عسكرية ، والرابعة تعني بالتربية الإسلامية السياسية ، وهلم جرا.

وقد تأملت في أسباب ذلك فأتضح لي أن أهم سبب لهذا الواقع: تصور كل جماعة أن الخلل في الأمة سببه قصورها في هذا الجانب دون غيره ، فجعلت هدفها الأساسي: استكمال هذا النقص وسد الخلل ، وكما ذكرت في الأثر الثالث: ما بني على مقدمة خاطئة فنتيجته خاطئة.

والمتأمل لواقع الأمة الإسلامية المعاصرة يدرك أن سبب تأخر أمتنا وتخلفها ناتج من عوامل عدة: روحية ، وعلمية ، وسياسية ، وجهادية ، وعقدية ، واقتصادية ، وهذا التصور الشمولي للواقع يجعل الدعاة يرسمون منهج دعوتهم بشمولية متكاملة ، بعيدا عن التجزئة والفردية.

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي صحابته ، ويبني المجتمع المسلم ، مجتمعا متكاملا ، بعيدا عن روحية الصوفية ، وسياسة العلمانيين: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا) (73) .

? بعد النظر وحسن التخطيط .

إن أمتنا بأمس الحاجة إلى التخطيط الدقيق ، الذي يبني مجدها ، ويقيها - بإذن الله - مصارع السوء ، وكل تخطيط لا يبنى على فهم عميق لمجريات الأحداث ، وتصور متكامل للواقع في جميع جوانبه ، سيكون تخبطا لا تخطيطا.

والأوضاع التي مرت بها بلاد المسلمين ، والمحن التي نعيشها كشفت عن تأخرنا عن أعدائنا في كثير من أمورنا ، حتى أصبحنا عالة عليهم في كثير من شئون حياتنا.

وفي الوقت الذي يخطط فيه أعداؤنا لما بعد مائة سنة أو تزيد ، نجد الفشل الذريع في تخطيط المسلمين لعشر سنوات أو أقل من ذلك.

وفقه الواقع في جوانبه المتعددة يعطي تكاملا في الرؤية ، وبعدا في النظر ، وهي من بدهيات التخطيط الدقيق لمستقبل الأمة ، وتطلعات الأجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت