وهذا التخطيط يشمل جميع مناحي الحياة: الدعوية ، والعلمية ، والاقتصادية ، والعسكرية ، وغيرها ، حتى نكون كما أراد لنا ربنا (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (74) ، أمة قوية البنيان مرهوبة الجانب ، تخضع لها الأمم والممالك ، وتذل لها الجبابرة والملوك (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (75) .
وبهذا نحمي المسلمين ، ونوجد المهابة لهم في نفوس أعدائهم ، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم"نصرت بالرعب مسيرة شهر" (76) وصدق الله العظيم: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (77) .
? إبطال كيد الأعداء ، وفضح خططهم .
لقد فضح القرآن الكريم خطط المشركين (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (78) . وكشف عن مكائد اليهود والنصارى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (79) . (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) (80) .
وأماط اللثام عن دسائس المنافقين: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (81) . (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (82) .
ومن ثمرات فقه الواقع كشف سبل المجرمين بشتى أشكالهم وأنواعهم ، وكشف خططهم مؤذن بإبطال كيدهم ، ورد تدبيرهم إلى نحورهم ، والعناية بهذا الجانب حماية للمسلمين ، ورد لكيد الظالمين (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (83) .
? حماية العلماء .
وفقه الواقع حماية للعلماء من وجهين:
1-فالعلمانيون يكيدون لعلماء الأمة ، ويسعون لتشويه صورتهم أمام العامة ، بما يثيرونه من قضايا ، وما يطرحونه من خلافات في مسائل علمية ، مما يظهر أمام العامة وكأنه تناقض في الفتوى ، وضعف في العلم ، وهم يراهنون على إبعاد العامة عن علماء الأمة ، لأنهم يدركون أن العلماء هم السد المنيع ضد مؤامراتهم ومخططاتهم ، فإذا ظفروا بالعامة كسبوا الرهان ، ففقه الواقع كشف لهؤلاء ، وفضح لمآربهم ، وحماية بالتالي لعلماء الإسلام ودرع الأمة.
2-وفقه الواقع حماية للعلماء من الخاصة ، فعندما تكون الفتوى مبنية على تصور للواقع ، وعلم بفروع المسألة وأصولها ، لا يدع مجالا لطاعن أو مخالف ، مما يكسب الفتوى احترامها وقوتها ، وتتلقى بالقبول من لدن طلاب العلم والعامة ، وهذا ولا شك يقوي صلة طلاب العلم بعلمائهم ، ويقطع الطريق على من يستغل الأخطاء والعثرات لإبعاد شباب الأمة عن علمائها ، وبهذا نحمي جانب العلماء ، ونزيد من مكانتهم في نفوس العامة والخاصة ، لتكون لهم الريادة والقيادة العلمية في توجيه الأمة ، وتبصيرها في شئون دينها ودنياها ، كما كانوا - وسيظلون بإذن الله - على مر الأجيال وتعاقب العصور.
? الشعور بالمسئولية والتغلب على المعوقات .
عندما نغفل عن واقعنا ، ونكتفي بتلمس ظواهر الأمور دونما إدراك لحقائقها ، قد نغفل عما يكاد لهذه الأمة ويحاك لها ، وبالتالي سننشغل عن العمل الإيجابي الجاد ، وقد ينصرف طالب العلم إلى أمور جانبية ظنا منه أن الأمور تسير على خير ، وأن ليس هناك ما يكدر صفوها ، أو يهدد كيان الأمة ومستقبلها.
ولكن عندما نفقه الواقع على حقيقته ، دون إفراط أو تفريط ، سندرك جهود الأعداء في الداخل والخارج لضرب الأمة في أعز ما تملكه ، وهو دينها ، وهنا نكون على مستوى المسئولية ، وتزول الغشاوة التي تضعف رؤيتنا ، وتنتهي المعاذير التي يرددها كثير من الناس ، بدعوى أن الأمور بخير ، وأننا أحسن من غيرنا ، ونحن -ولا شك- بحمد الله وفضله أحسن من غيرنا ، ولكن استمرار هذا القول ، دون عمل أي جهد للمحافظة على هذا"الخير"و"الحسن"قد يؤدي إلى فقدانه وزواله (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (84) .
وفقه الواقع بالتالي عامل مساعد للتغلب على المعوقات التي تواجهنا عندما نقوم بما أوجب الله علينا ، فإدراكنا لقوله تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (85) ، وفقهنا لقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) (86) . ومعرفتنا بما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من عقبات في طريق دعوتهم ، كل ذلك سيزيد من إيماننا بأن العاقبة للمتقين ، مهما طال الطريق وتعددت المعوقات.
وفي الوقت نفسه ففقهنا لما عليه أعداؤنا ، وما يكابدونه من مشاق في تحقيق أهدافهم الباطلة ومآربهم الخبيثة ، يزيد من تحملنا في سبيل أهدافنا السامية ، وغاياتنا النبيلة (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (87) . (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) (88) وبهذا تتحول المشاق والعقبات إلى لذة تتنعم بها ، بدل العنت والشقاء ، كما تلذذ أسلافنا بالجهاد في سبيل الله ، وبهذا نكون أو لا نكون (89) .
ثالثًا: الحلم .
لين الجانب ( الحلم ) : يجب على الخطيب الداعية أن تتوفر فيه الطبيعة الرحيمة ، الهينة ، اللينة ، المعدة لأن تتجمع عليها القلوب ، وتتألف حولها النفوس ، فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ودّ يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم ، وضعفهم ونقصهم.. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام ، والعطف والسماحة ، والود .
يقول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } (90) . ويقول تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (91) .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ] (92) .
عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ] (93) .
يقول الحكيم الترمذي:"فالحلم: سعة الخلق ، وإذا توسع المرء في أخلاقه ولم يكن له علم افتقد الهدى وضل ؛ لأن توسعه يرمي به إلى نهمات النفس ، فيحتاج إلى علم يقف به على الحدود ، وإذا كان له علم ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبر بعلمه ؛ لأن العلم له حلاوة ، ولكل حلاوة شره فتضيق أخلاقه ، ويرمي به ضيقه إلى شره النفس وحدتها فيكون صاحب عنف وخرق في الأمور فيضيع علمه" (94) .
عن عطاء قال: ثم ما آوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم (95) .