وقيل: الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى بالحلم ولم يتسم بالعقل !.
وعن الحسن ـ رضي الله عنه ـ قال:"ما سمعت الله نحل عباده شيئا أقل من الحلم"، قال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ } (96) ، وقال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (97) (98) .
فالحلم سعة الخلق ، والعقل عقال عن التعدي في أخلاقه ، والواسع في أخلاقه حر عن رق النفس ؛ ولذلك قال عيسى ـ عليه السلام ـ لبني إسرائيل: لا عبيد أنقياء ، ولا أحرار كرماء . لا يشهد كريم أينما انقاد .
والحليم يحتمل أثقال الأمر والنهي بلا كبد ولا مجاهدة ، فكان إبراهيم ـ عليه السلام ـ ممن احتمل الأثقال ، ابتلي بالنار ، وابتلي بالهجرة والغربة ، وابتلي بسارة ، وابتلي بالختان ، وابتلي بذبح الولد ؛ فجاد بنفسه وولده ، فقال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} (99) (100) .
3.من شروط الخطيب الداعية أن يكون عاملًا بعلمه ( أي قدوة حسنة ) .
إن القدوة من أهم الأسس التي تؤدي إلى حسن التربية للمدعو.. نعم إنه يحتاج ابتداء لإيمان عميق ، تام ، متجدد.. وبحاجة إلى تطبيق ما يدعو إليه على نفسه ؛ حتى تكون حياته الشخصية وسلوكه موافقين لما تقتضيه تربيته لأخيه ، ولكي يتشرب هذا المدعو منذ بدايته بالمبادئ الإسلامية ، وبالخلق القرآني القويم . ولسان الحال أبلغ من لسان المقال ، فليكن كالكتاب المفتوح الذي يقرأ فيه الناس معاني الإسلام ؛ فيقبلون عليها ، وينجذبون إليها. نداؤه كما قال شعيب (عليه السلام) لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (101) .
عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ] (102) .
وكان الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ يقول:"عالم عامل معلم يدعى كبيرًا في ملكوت السماوات" (103) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن بازـ رحمه الله ـ:"ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي ، بل يجب أن يكون عليها الداعية ، العمل بدعوته ، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه ، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه ، أو ينهى عن شيء ثم يرتكبه ، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك ، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه ، ويبتعدون عما ينهون عنه قال الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (104) (105) ."
هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه ، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضًا ، ولهذا قال بعده"وعمل صالحًا"، فهو داعية إلى الله باللسان ، وداعية بالعمل ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس: هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة ، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال ، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم .
وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال ، والسيرة.. وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال ، ولاسيما العامة وأرباب العلوم القاصرة فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والآمال الصالحة ، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها ، فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة ، وذا عمل صالح ، وذا خلق فاضل حتى يقتدي بفعاله وأقواله" (106) ."
4.من شروط الخطيب الداعية الصبر وتحمل المشاق في سبيل الدعوة:
الصبر هو مكابدة النفس على الطاعات وكفها عن السيئات والاحتساب على البلاء. ولا يخفى ما للصبر من أهمية بالغة في حياة المسلم عامة ، وفي مسيرة الدعوة والدعاة خاصة ، ويكفي دلالة على أهمية الصبر وفضله وعظيم مكانته: أنه مناط الأعمال كلها ؛ إذ الأعمال إما طاعة أو معصية ، وكل طاعة فإنما تتحقق بالصبر ، وكل صبر على الطاعة فهو صبر عن المعصية ؛ لأن ترك المعصية طاعة ، وترك الطاعة معصية ، ولهذا ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه العزيز أنواعًا من الطاعات و القربات ثم سماها صبرًا تنويهًا بأن الصبر سبيل تحقيقها ، من مثل قوله تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار ِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (107)
فذكر الله الوفاء بالعهود ، وصلة الأرحام ، وخشية الله ، والخوف من يوم الحساب ، والصبر لله عز وجل لا لشيء آخر، وإقام الصلاة ، والإنفاق سرًا وعلانية ، ودفع السيئة بالحسنة .. ثم سمى كل ذلك صبرًا لأنها لا تتم إلا به .
* أنواع الصبر:
?الصبر على طاعة الله عز وجل .
?والصبر عن المعصية .
?والصبر على الأقدار .
وأكمل هذه الأنواع الصبر على الطاعة ، قال ابن القيم رحمه الله:'والصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعات أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية' (108) .
يقول الدكتور / عبد الكريم زيدان: والصبر بأنواعه إنما هو بالله بمعنى أن المسلم يؤمن بأن صبره إنما يكون بعون الله ، فالله هو المصبر له ، قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ } (127) سورة النحل ، وصبر المسلم لله أي أن المسلم يصبر طاعة ومرضاة له فالباعث على صبره محبه الله وطلب مرضاته وهذا النوع من الصبر وهو يشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الابتلاء لأن في الأول اختيار وإيثار ومحبة ، أما الثاني فهو صبر ضرورة ولا اختيار للصابر (109) .
والصبر في حياة الدعاة يشمل هذه الأنواع الثلاثة ، ونركز الحديث هنا على النوع الثالث من أنواع الصبر ، وهو الصبر على ما يلقاه الدعاة في سبيل الدعوة ولازم هذا الصبر .
* لوازم الصبر في مجال الدعوة:
للصبر في مجال الدعوة وفي حياة الدعاة لوازم كثيرة ، بتحققها يتحقق الصبر على أكمل وجوهه ، ومن أهم لوازم الصبر: