فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 719

تحمل عنت المدعوين وجحودهم وكيدهم وصدودهم: وكيد المناوئين ملازم لكل دعوة إصلاح ، وهذا جلي في قول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ { (110) . والعصمة هنا هي: الحفظ والرعاية والتعهد ، فمن بلّغ عن الله فلابد أن يكاد ، وعليه بالتحمل وعدم الفتور عن الدعوة ؛ لأنه لابد أن يصيبه ما يكره إما في النفس ، أو المال ، أو العرض ، أو غير ذلك ، وقال تعالى على لسان لقمان الحكيم:} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (111) . ولو أن الدعاة لم يتحملوا ما يصيبهم من أذى في سبيل الله ؛ لم يستمروا في أداء واجبهم ، فمتقضى الصبر: التحمل والثبات والاستمرار .

ترك العجلة في الوصول إلى ثمار الدعوة ، وترك استعجال الاستجابة: فمن الثوابت الراسخة في مسائل الدعوة ، ومما ينبغي أن يعيه الدعاة: أن على الدعاة أن يولوا جانب التبليغ وإيصال الحق للمدعو كل الاهتمام بإقامة الحجة وإيضاح الدليل والبرهان والاستمالة لا أن يشغلوا أنفسهم بغير ذلك ؛ لأن الهداية بيد الله: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا... (112) .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس في مكة وكان ذلك دأبه مع قلة المؤمنين يومئذ ، وكانوا كما قال عمار (رضي الله عنه) :"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ" (113) .

ومما يدل على أن ترك الاستعجال من لوازم الصبر: ما ورد عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: [ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَحَضْرَمُوتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ] (114) .

ويؤخذ من الحديث أن لله عز وجل سننًا نافذة لا تتخلف ولا تتبدل ، وما على الدعاة إلا إبلاغ الحق والخير للناس لتكون لهم المعذرة إلى ربهم ، والله يهدي ببركة هذه الدعوة من يشاء.

الاستمرار في الدعوة والمداومة عليها دون كلل ولا ملل ولا تذمر ولا تبرم: فدينه هو الحق المبين وللحق غلبة وهيبة وقوة ، تسكب في فؤاد الداعي أملًا لا ينقطع ، فيكون أبعد الناس عن اليأس والإحباط ، والدعاة وهم يرون الحق في قوته وظهوره وعلوه يستمدون من الله يقينًا فوق يقينهم ؛ فإذا هم ماضون في الدعوة بعزيمة نافذة وكما قالت الرسل ، وقد نالت منهم طوائف المكذبين الجاحدين فقالوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (115) .

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينال منه عتاة المشركين ومع ذلك يمضي في دعوته قدمًا مثابرًا محتسبًا صابرًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] (116) .

* أثر الصبر في نجاح الداعي: للصبر أثره الحميد في نجاح الداعي وتحقق غايته وهي: دلالة الناس على الخير, وسبله ، وصبر الداعي يكون في تحمل ما يلقاه من صدود وجحود ، وما يكاد له في سبيل منعه ، أو عرقلته من محاولات ودسائس ، وما تنشر حوله من إشاعات وأكاذيب واتهامات ، ولقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الألوان الموحشة من كنود الناس وصدودهم وفجورهم ، فصبر وصابر ورابط حتى بلغت دعوته الآفاق صلى الله عليه وسلم .

وكان عليه الصلاة والسلام حين يواجههم بالصبر الجميل ، ويقابل إيذاءهم بالتحمل والحلم والاحتساب كان يصارحهم بذلك ، وأنه ماض فيما هو فيه ، وأن هذا العدوان لن يثنيه عن الحق الذي آمن به ! فبعد أن أغروه بزخرف الدنيا وزهرتها ، وهم يودون صرفه عن الدعوة وشجونها قال لهم: [ ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني رسولًا وأنزل عليّ كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم] (117) .

وفي هذا منهاج للدعاة والسائرين في طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وفيه بيان لما ينبغي أن يكون عليه الداعي في مضي العزيمة والحلم والاعتزاز بالحق ، وأن الدعاة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الدعوة إلى الله ، ولا تغريهم زخارف الدنيا ، وفي هذا ولا ريب يكمن السر الذي تثمر به الدعوة .

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قمة في صبره ، قدوة في مصابرته ، وتحمله وحلمه ، فهو أصبر الناس على جفوة الناس وجحودهم ، وأصبر الناس بعده هم أمثلهم طريقة ، وأكثرهم عزيمة ، وأقربهم إلى المنهاج النبوي ، ومصداق ذلك ما ورد عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ] (118) .

* ومن فوائد هذا الحديث: أن الابتلاء سنة في حياة المسلم ، وفي حياة الدعاة على الأخص ، قال تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (119) .

* ومن فوائد الحديث أيضًا: أن البلاء يكفر السيئات ، ويرفع الدرجات ، وهذا هو مبتغى الدعاة ، وعفو الله أوسع . إن الصبر كما أنه من عوامل نجاح الدعاة هو أيضًا زادهم وعدتهم ، به تزكو نفوسهم وتطهر أفئدتهم ، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الصبر والإنابة (120) .

5.من شروط الخطيب الداعية الحرص على هداية من يدعوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت