الواجب الخامس الذي يجب توفره في الداعي إلى الله أن يكون حريصًا على هداية من يدعوه فإذا كان من يدعوه كافرًا كان حريصًا على إيمانه ساعيًا في ذلك بكل سبيل ، وقد كان سيد الدعاة والمهتدين وهو نبينا صلى الله عليه وسلم ليحزن أشد الحزن حتى يكاد يقتله الغم أسفًا على نفور الناس من دعوته..
يقول تعالى معزيًا ومعاتبًا له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (121) .
وقد وصفه تعالى بالحرص على هداية الناس. قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (122) .. وقال تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ} (123) ..
والداعي إذا كان حريصًا على هداية من يدعوه سعى إلى ذلك بكل سبيل ولم يدخر وسعًا في إيصال الحق له ، واستخدم معه كل وسيلة ناجعة ، وأزال كل عقبة تصده عن الحق.
وأما إذا اتصف بضد ذلك أهمل في دعوة من يدعوه ، ولم يكترث لهدايته أو ضلاله..
وإذا كان من تدعوه مسلمًا وكنت حريصًا على أن يهتدي للحق الذي تدعوه إليه ، وللمعروف الذي تأمره به ، حملك هذا على إخلاص النية ، وبذل قصارى الجهد ، والفرح بهداية من تدعوه ، والحزن إذا لم يستجب لك .
مبحث
ثقافة المدعو
ثانيًا: المخاطب ، أو المدعو وثقافته .
المدعو: هو من يراد دعوته وهم الناس جميعًا بوجه عام وأهل الإسلام بوجه خاص .
والمدعو نوعان: أ) فردي . ب ) جماعي .
وهذا القسمان ينقسمان بدورهما إلي قسمين:
1.قسم آمن بالرسالة
2.وقسم كفر بها ...وهذا القسم ينقسم إلى نوعين:
أ ] كفار معلنون لكفرهم .
ب] كفار غير معلنين ( وهم المنافقون ) .
وهذه الأنواع تحتاج جميعها إلى خطاب ديني متناسب مع كل نوع ، ومطابق لمقتضى حاله ، ويؤدي المراد منه ، ويحقق الأهداف المرجوة .
وقد أنزل الله سبحانه وتعالى الأحكام التي يجب اتباعها مع كل قسم من هذه الأقسام ، ورسم رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسة الشرعية الواجبة في دعوة هذه الأقسام إلى الله وكيفية التعامل مع كل قسم منهم.
تمهيد: عالمية الرسالة:
رسالة الإسلام رسالة للعالمين قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } (124) .. وقال تعالى: { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ } (125) .. وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (126) ..
وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} (127) ، ومن أجل ذلك فالبشر جميعًا مدعون إلى هذا الدين ، والناس جميعًا هم أمة الدعوة الذين أرسل إليهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
ومن ثم فهذه هي الأصول العامة والسياسة الشرعية في الدعوة والمعاملة مع هذه الأقسام:
أولًا: الأصول الشرعية في دعوة الكفار الأصليين للإسلام:
من الكفار الأصليين من بلغه دعوة الإسلام على الوجه الصحيح ، ومنهم بلغته دعوة الإسلام بصورة مشوهة ، ومنهم من لم تبلغه دعوة الإسلام..
ومن الكفار الأصليين أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، والوثنيون والمجوس وغيرهم من أتباع هذه الملل الكثيرة ، ومنهم من لا ينتمي لدين أصلًا.
والأصول التي يجب اتباعها مع هؤلاء جميعًا هي:
1)إبلاغ دعوة الإسلام على وجهها الصحيح بلاغًا يقطع العذر:
الأصل الأول في دعوة المسلمين إلى الإسلام أن يبلغوا هذه الدعوة على وجهها الصحيح بلاغًا يقطع العذر كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا تقوم الحجة عليهم إلا بهذا.. قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (128) .. وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} (129) ..
ولا يكون البلاغ مبينًا قاطعًا للعذر إلا:
أ) إذا فهموه بلغتهم أو تمكنوا من العربية تمكنًا يجعلهم يفهمون معانيها كما قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (130) ..
فالواجب على أمة الإسلام الذين أخرجهم الله للناس أن يبلغوهم دين الله باللسان الذي يفهمونه ثم يعلموهم العربية ليفهموا عن الله ورسوله..
قال الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله ) :"أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ، ومن لهم القدرة الواسعة ، فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها" (131) .
ب) إبطال شبهات الكفار، ودفع باطلهم:
ويجب أن تدحض كل حجج الكفار و شبهاتهم حول دينهم الباطل ، وكل دين غير الإسلام فباطل كما قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} (132) .. وقال تعالى: {قل فلله الحجة البالغة} (133) .. وقال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا} (134) ..
ومن أجل ذلك أبطل الله في القرآن كل ما احتج به الكفار على اختلاف عقائدهم في احتجاجهم لدينهم الباطل ، فقد رد الله على اليهود مزاعمهم ، وعلى النصارى ضلالهم وشبههم، وعلى مشركي العرب في جميع ما عارضوا به الإسلام ، وعلى ما احتجوا به على ما هم عليه من الشرك والضلال.
2)لا يبدأ مع الكافر الأصلي إلا بالتوحيد ثم الأهم فالأهم:
يجب البدء مع الكافر الأصلي الذي لم يدخل الإسلام بالتوحيد لأنه أساس الدين ، وجميع الأحكام ترجع إليه ، ولا يصح العمل الصالح إلا به ولذلك كان كل رسول أول ما يدعو قومه يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى.
إذ هو الفارق بين المسلم والكافر ، وجميع أعمال الدين ترجع إلى التوحيد ، وتبنى عليه ، فلا يصح عمل صالح للعبد إلا بتحقيق التوحيد لله ، وجميع الأعمال الصالحة تكون باطلة إذا لم يكن فاعلها موحدًا لله سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا في عمل المشركين والكفار: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب} (135) ..
وقال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد} (136) .
وقال تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} (137) ..
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل عندما أرسله داعيًا إلى أهل اليمن أن يبدأ بالتوحيد ثم بالصلاة ، ثم بالزكاة فقد قال صلى الله عليه وسلم: [إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس] (138) .
قال ابن حجر في الفتح:"بدأ بالشهادتين لأنهما أصل الدين ، الذي لا يصح شيء إلا بهما ، فمن كان غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار والوحدانية".