وقال:"يبدأ بالأهم فالأهم ، وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع لأول مرة لم يأمن النفرة" (139) .
3)عرض الدعوة على الكفار باللين ، والحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالحسنى:
في مقام عرض دعوة الإسلام على الكفار، وإن كانوا من المجرمين العتاة، والجبابرة الطغاة يجب اتخاذ اللين والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالحسنى سبيلًا إلى عرض الدعوة، وقد فصلنا الحديث في هذا الجانب سلفًا بما لا يحتاج إلى زيادة ، ولأهمية الدعوة باللين ننظر إلى وصية الله لموسى وهارون أن يعرضا الدعوة على فرعون باللين.. قال تعالى: {إذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى } (140) .
فمع طغيانه وقتله لذكور بني إسرائيل،واستحيائه لنساءهم ، وسومهم رسولهم سوء العذاب إلا أن الله أمر الرسول ـ عليه السلام ـ أن يكون لينًا في عرض الدعوة عليه ، ولعل اللين أن ينفعه فيتذكر ويخشى.
4)وجوب رد إساءتهم وعدم السكوت على طعنهم في الدين:
لا يجوز للداعي إلى الله الذي يعرض دعوته باللين والحكمة على الكفار أن يأخذ جانب اللين مع الذين يردون ردًا سيئًا ، ويطعنون في الدين الحق ، ويسبون رسول الله r ، أو يعيبون شريعة الله ، بل يجب الرد المناسب عليهم والانتصار منهم لقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} (141) .
فالظالمون منهم يجب الرد بما يتناسب مع هجومهم وتهجمهم على الإسلام وطعنهم فيه. قال تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} (142) .. ولذلك جاء في كثير من آيات القرآن الرد والزجر الشديد على المعاندين من الكفار: كبيان فضائحهم ، وكشف مخازيهم ووصفهم بفقدان العقل والفهم ، والاستهزاء بحالهم ومآلهم ، وتحقير آلهتهم، وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة.
5)قبول الكافر أخًا في الإسلام مهما سلف منه في الكفر:
يجب أن يقبل الكافر أخًا في الدين إذا انتقل من الكفر إلى الإسلام ، فلا يعير بدينه السابق ، ولا بما كان عليه من الكفر والشرك ، ولا يذكر بماضيه إلا أن يكون على وجه حمد الله وشكره وفضله عليه كما قال تعالى عن المشركين: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ، ونفصل الآيات لقوم يعلمون} (143) .
* أصول في دعوة المرتد:
المرتد: هو كل من رجع عن الإسلام بعد دخوله فيه ، وللمرتد أحكام خاصة في الدعوة منها:
1)لا حكم بالردة إلا من عالم بالإسلام:
لا يجوز الحكم على مسلم بالردة إلا إذا أعلن بنفسه هو أنه راجع عن الإسلام أو أن يكون قوله أو فعله كفرًا مخرجًا من الملة ، ولا يحكم عليه بالردة إلا عالم بالإسلام وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: [من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه] (144) ..
2)يجب التفريق بين مقالة الكفر والكافر:
ليس كل من وقع في الكفر يكون كافرًا فربما وقع جهلًا أو تأولًا ولذلك يجب الرد على المخالف ، وإقامة الحجة بيان المقالة الخاطئة ، دون الحكم على قائلها حتى يتبين أنه قد اختار الكفر ، أو أقيمت عليه الحجة البالغة التي تقطع عذره..
* أصول في دعوة المنافق:
المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، وهذه بعض الأصول الشرعية في دعوته للإسلام:
1)لا يحكم على شخص أنه منافق نفاقًا اعتقاديًا إلا ببرهان لا يقبل النقض أنه يبطن الكفر ، ويظهر الإسلام كذبًا..
2)المنافق يدعى إلى الإسلام ، ويوعظ ، ويذكر بالله ، ويجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة ، ويغلظ عليه عند مخالفة الأمر الشرعي. قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} (145) ، وقال تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (146) .
قال ابن كثير:"قال تعالى {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} هذا الضرب من الناس هم المنافقون ، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك فإنه لا تخفى عليه خافية فاكتف به يا محمد فيهم فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له {فأعرض عنهم} أي لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي واتهمهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر {وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا} أي وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم" (147) .
ثانيًا: الدعوة بين المسلمين:
للدعوة إلى الله بين المسلمين ميدانان هما:
أ) التربية والتعليم.
ب) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولكل ميدان من هذين الميدانين أصوله وقواعده.
أ) قواعد في التربية على الإسلام وتعليمه:
التربية وهي التزكية والتعليم ، هي مهمة النبي في المؤمنين قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (148) ..
والتربية هي تنشأة الإنسان وبناؤه.. قال رسول صلى الله عليه وسلم: [ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] (149) .
وهذه أهم قواعد التربية والتزكية:
1)تصور النموذج المثالي للإنسان الكامل والعبد الصالح:
يجب أولًا أن يتضح أمام المربي والمعلم النموذج والمثال الذي يجب أن يربى على غراره ، وهذا النموذج قد جاء وصفه التفصيلي في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى منها أول سورة المؤمنون.. قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون* الذين هم في صلاتهم خاشعون* والذين هم عن اللغو معرضون* والذين هم للزكاة فاعلون* والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون* والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون* والذين هم على صلواتهم يحافظون} (150) .
وفي غيرها من سور القرآن كمطلع سورة البقرة ، والآيات الأولى من سورة الأنفال ، وسورة الحجرات بكمالها ، والآيات من سورة الإسراء من قوله تعالى: {لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولًا} ، ..إلى قوله: {ولا تجعل مع الله إلهًا آخر فتلقى في جهنم ملومًا مدحورًا} (151) ..
ولا شك أن القرآن كله قد فصل صفات النموذج الطيب للمؤمن الصالح الذي يحبه الله ويرضاه..
وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل والنموذج والقدوة والأسوة الذي أمر المسلمون جميعًا بالتأسي به {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (152) ..
فهو النموذج الكامل للتأسي، وقد كان خلقه القرآن كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: [كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن] (153) .
وكذلك صور القرآن النماذج السيئة من المجرمين والكافرين والمنافقين. قال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} (154) ..
2)التعليم الدائم:
يجب على الداعي إلى الله ، ومعلم الخير أن يعتمد لنفسه ومن يعلمهم نظام التعليم الدائم من المهد إلى اللحد ، والمسلم الحق هو من يزداد في دينه كل يوم علمًا وعباده {وقل رب زدني علمًا} (155) ، وعلم الدين لا يحاط به ، والقرآن لا يشبع منه العلماء ، وفضل العلم خير من فضل العبادة.
3)أخذ العلم والعمل جميعًا: