فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 719

ومنا من لا يبالي بكسب قلوب أقرب الناس إليه كوالديه وزوجته وأقربائه فتجد قلوبهم مثخنة بالكره أو بالضغينة عليه لتقصيره في حقهم ، وانشغاله عن أداء واجباته تجاههم . ومن أصناف الناس الذين نحتاج لكسبهم ولهم الأفضلية على غيرهم الجيران لقوله (صلى الله عليه وسلم ) "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"."مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ" (207) .وقوله في النساء:"وإن أعوج ما فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا وأي إكرام أكبر من دعوتهم إلى الهدى والتقى ؛ بل قال عليه أفضل الصلاة والسلام-:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه" (208) . ولذلك ينبغي أن نتحبب إلى الجار فنبدأه بالسلام ونعوده في المرض ، ونعزيه في المصيبة ، ونهنئه في الفرح ونصفح عن زلته ، ولا نتطلع إلى عورته ، ونستر ما انكشف منها ، ونهتم بالإهداء إليه وزيارته ، وصنع المعروف معه، وعدم إيذائه.. وقد نفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) الإيمان الكامل عن الذي يؤذي جاره فقال:"والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن"، قال قائل: من هو يا رسول الله ؟ قال:"الذي لا يأمن جاره بوائقه" (209) (210) ."

?الوسيلة الثانية: السماحة في المعاملة

يوجز الرسول ( صلى الله عليه وسلم) أصول المعاملة التي يدخل فيها المسلم إلى قلوب الناس ويكسب ودهم وحبهم فيقول:"رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"وفي رواية"وإذا قضى". فالسماحة في البيع: ألا يكون البائع شحيحًا بسلعته ، مغاليًا في الربح ، فظًا في معاملة الناس .

والسماحة في الشراء أن يكون المشتري سهلا مع البائع فلا يكثر من المساومة ؛ بل يكون كريم النفس وبالأخص إذا كان المشتري غنيا والبائع فقيرًا معدمًا. والسماحة في الاقتضاء: أي عند طلب الرجل حقه أو دينه فانه يطلبه برفق ولين.. وربما تجاوز عن المعسر أو أنظره كما في حديث أبي هريرة مرفوعا:"كان رجل يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه"والسماحة في القضاء: هو الوفاء بكل ما عليه من دين أو حقوق على أحسن وجه في الوقت الموعود وانظر كيف دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قلب هذا الرجل الذي روى قصته الإمام البخاري في صحيحه عن أبى هريرة قال: ( أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فتقاضاه فأغلظ فهمّ به أصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا ثم قال أعطوه سنًا مثل سنه قالوا يا رسول الله لا نجد إلا أفضل من سنه فقال أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء ) فقال الرجل ( أوفيتني أوفى الله بك ) .

ومن السماحة في المعاملة: عدم التشديد في محاسبة من قصر في حقك . فعن أنس قال (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي: أف قط ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا )

يقول الشيخ / عبد الرحمن عبد الخالق:

ومن الوسائل: الدعوة إلى الطعام، واستخدام الولاء القبلي كما فعله سعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، فقد دعا كل منهما قبيلته -وهو شيخها- فدخلوا جميعًا في الإسلام في ليلة واحدة.

ومن الوسائل النافعة: حمل الدعوة مع التجارة، فقد دخل بدعوة التجار المسلمين أمم وشعوب كثيرة، وكذلك السياحة، والمراسلات، والمناظرات، واستغلال المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج، والجنائز ... هذا عدا عن الدروس العلمية، والخطابة، وإنشاء الشعر والأدب .

والخلاصة: أنه يمكن لكل أحد أن يدعو إلى الله ، وأن يبلغ الحق، وينشر الخير حتى ولو كان ممن لا يستطيع أن يحفظ العلم ويؤديه كما سمعه، فإنه يستطيع أن ينشر الكتاب، والشريط ويدل على الخير، وأن يكثر سواد الدعاة إلى الله بمصاحبتهم فضلًا عما ينفعه الله به من صحبتهم (211) .

مبحث

مكان وزمان الدعوة

رابعًا: نوعيه الخطاب ، أو ( مكانه وزمانه) .

من المهم أن يدرك الداعية أن مكان الدعوة وزمانها له تأثيره الواضح في توجيه خطابه ، وإن غفل عن هذين الجانبين الهامين سوف يفشل فشلًا ذريعًا في الوصول إلى عقول وقلوب المخاطبين ، وسوف يكون خاطبه سقيمًا عقيمًًا ، فنجد مثلًا في العهد المكي يمكث النبي r ثلاث عشرة سنة يدعو بدون أن يفكر هو ولا أصحابه في رفع السيوف ـ التي تحت سيطرتهم ـ في وجه أعدائهم رغم الدواعي الكثيرة التي تدفعهم نحو ذلك .

يقول أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله ـ:"هذا والرسول r يغذي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ، ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب . وخضوع جسم وحضور عقل ، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحريرًا من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعًا إلى رب الأرض والسموات ، ويأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفس ، لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف ، وهم من أمة ، من أيامها حرب بسوس وداحس والغبراء ، وما يوم الفجار ببعيد . ولكن الرسول يقهر طبيعتهم الحربية ويكبح نخوتهم العربية ، ويقول لهم: { كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } (212) فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم ، وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس في غير جبن وفي غير عجز ، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعة إلى ذلك وقوتها" (213) .

أولًا: مراعاة المكان والزمان: مما تقدم يتضح أن مكان وزمان الخطاب مهمان عند الداعية ، فلابد من مرعاه المكان الذي يوجه إليه الخطاب ـ وأقصد تحديد المجتمع وتركيبته ـ والزمان الذي يحوي هذا الخطاب ، وعندما نقول تجديد الخطاب الديني أي تغيير أساليبه حسب المجتمعات التي يتوجه إليها فهذا أمر يكاد يكون ثابتا منذ بداية الدعوة الإسلامية لأننا حتى إذا نظرنا إلى التشريع في وقت نزول القرآن نجد أن الله ـ تبارك وتعالى ـ في الفترة المكية كان يوجه معظم آيات القرآن إلى ترسيخ العقيدة ولم تتعرض الآيات التي نزلت في مكة للتشريع المدني بالصورة الواسعة كما حدث في الفترة المدنية في القرآن الذي نزل في المدينة ، وما ذاك إلا مراعاة للظرف الزماني والمكاني الذي يتوجه إليه الخطاب ، ومن هنا وجب على الداعية ملاحظة ذلك ومراعاته .

وهذا الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ كان له فقه في العراق وعندما جاء إلى مصر غيره وهذا حسب تغير المكان فما بالنا بتغير الزمان خاصة ونحن لدينا تغيرات مذهلة تحتاج إلى تجديد يتواكب معها فنحن في حاجة ماسة منذ فترة طويلة للتجديد لكننا لابد أن نرفض الطلب من أعدائنا في هذا الشأن وفي هذا الوقت وهذا الظرف أيضًا .

ثانيًا: التدرج مع المدعوين:

من الأمر التي نغفلها في نوعية الخطاب أو كيفيته هو التدرج مع المدعوين وهذا الأسلوب الدعوي ، وإن كان قديمًا ، غير أنه مهمل لا يلتفت إليه مما يجعل الدعوة إليه وتفضيله يشكل تطورًا وتجديدًا ، فالمسألة ليست ابتداع كل ما لم يكن بقدر ما هي نفض الغبار عن أمور راسخة أصلًا ولكنها ربما مهملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت