وهناك أحكام جرى عليها التدرج في التشريع وما هذا إلا نوع من الخطاب يراعى الملاءمة بين الخطاب الديني والبشر الموجه إليهم فعلى سبيل المثال «الخمر» لم تحرم مرة واحدة ، وكان أول ما نزل فيها قول الله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (214) وكان المقصود من أن يباين الله ويعارض أمرين هما الرزق الحسن والسكر أن يتفهم كل ذي عقل ناضج أن في الخمر شيئا يكرهه الله سبحانه وتعالى ، بعد ذلك سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنها: فبين أنها مع كونها تنفع بعض الناس لكن ضررها أكثر من نفعها {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } (215) ، بعد ذلك حدث أن دخل أحد المسلمين الصلاة إماما وصلى بالناس وقرأ سورة «الكافرون» وأخطأ في قوله تعالى «لا أعبد ما تعبدون» وقال «أعبد ما تعبدون» لأنه كان سكرانا فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } (216)
وكان هذا تعويدا للمسلمين على أن ينقطعوا عن شرب الخمر حتى يستطيعوا فيما بعد الامتناع عنها نهائيا ثم جاء الأمر الإلهي الأخير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (217) ، وهذا يبين أن الخطاب الديني كان ملائما حتى في عصر نزول القرآن وعصر التشريع الذي كان موجودا فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحال المخاطبين، وهذه الملائمة من الأمور التي تستدعيها ظروف الدعوة الإسلامية وظروف الخطاب الديني فليس من المتصور توجيه خطاب عال المستوى إلى قوم أميين مثلا ، وإنما يجب توجيه الخطاب إليهم بالأسلوب الذي يلائم ثقافتهم ومعارفهم فالأساس الأول من أسس الدعوة الإسلامية إن تكون المخاطبة بالقدر الملائم لحال المخاطب ـ وقد سبق لنا تفصيل ذلك في موضعه بما لا يحتاج منا إلى مراجعة ـ غير أننا نلفت النظر إلى أهمية التدرج الذي يصلح لمجتمعات هذا العصر الذي انتشرت فيه المعاصي بشكل غير مسبوق ، وأصبحت المعاصي في كل درب ، وعلى كل طريق ، وبأبخس الأثمان ، مصداقًا لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (218) .
ثالثًا: عدم استعجال قطف الثمرة:
وهذا البند ربما يكون امتدادًا لأحد بنود شروط الخطيب وهو الصبر ، غير أننا هنا ننوه على العجلة وعدم التريث ، ففي الصبر مجالات حددناها هناك ، وهنا التسرع والعجلة في قطف الثمر وأحيانًا قبل أن ينضج ويؤتي أكله ؛ فتكون النتيجة هي الخسارة .
فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ y قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا ؟ ، فَقَالَ:"قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (219) .
والواقع أن بعض الدعاة لديهم نوع من الحماس الزائد مما يدفعهم للتعجل واستبطاء النتائج ، وهذا لا شك خلاف الكيفية التي يجب أن نخاطب بها الناس فالله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } (220) .
رابعًا: توخي الحذر والمداراة على الدعوة والخطاب:
ولكم ضاعت دعوة أصحابها غير مبالين بما يحاك لها ، ويشعرونك أن الأمور هكذا يجب أن تسير فإن أصيبت الدعوة قالوا: هذا قضاء الله وقدره ، ولكن الواقع يقول أنهم لم يحسنوا تدبر أمر الدعوة ، ولم يكونوا على مستوى المسؤولية الملقاة على عواتقهم ، لابد أن تنازع القدر بالقدر ـ كما قال بعض أهل العلم ـ ننازع الجهل بالعلم، والفقر بالمال، والمرض بالعلاج، والفوضى بالتخطيط، والتعطيل ننازعه بالمكاشفة، والتعبئة . ولابد من تحديد المسئولية بدقة، كلنا مسئولون ـ لا شك ـ عما يقع لنا على مستوى الأمة، لكن درجة المسئولية تتفاوت: فليست مسئولية الفرد العادي كمسئولية العالم، أو مسئولية الحاكم، أو مسئولية المفكر، كل إنسان يتحمل من المسئولية بقدر طاقته . أما تحميل المسئولية لجهة معينة: الحكام، أو العلماء، فهذا أيضًا من المهارب النفسية التي نلجأ إليها للخروج من أزمة معينة ، ونخرج نحن أبرياء . وقد نحتج بالحديث الضعيف الذي رواه أبو نعيم: [صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس العلماء والأمراء ] وهذا الحديث لا يصح سندًا، ولا متنا . وبناءًا على تحديد المسئولية؛ نكون جميعًا مطالبون بالعمل على الخروج من الأزمة، كل في مجال اختصاصه: كل متخصص في مجال يقدم ورقة، ويرفع راية، و يخط طريقة، و يجر وراءه من يستطيع (221) .
ولكي نكون أكثر تحديدًا في هذا الجانب نسوق إليكم صنع النبي r في الهجرة ـ رغم أنه موعود بالنصر والتمكين ـ فهاهو r يستبقي أبا بكر y للصحبة ، ويشجع على بن أبي طالبy للمبيت في فراشه ، ويخرج متجهًا إلى اليمن لا إلى المدينة رغم أن وجهته المدينة ، ويبقى في الغار ثلاثة أيام حتى يخف عليه الطلب ، وكل ذلك أخذًا بالأسباب وحفاظًا على الدعوة ، ولكي يكون ذلك لنا أسوة .
خامسًا: الهدف من الخطاب الديني:
==================== تربية جيل معلَّم
يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ:"المنهج الإسلامي المنبثق من هذا الدين ليس نظامًا تاريخيًا لفترة من فترات التاريخ، كما انه ليس نظامًا محليًا لمجموعة من البشر في جيل من الأجيال، ولا في بيئة من البيئات.. إنما هو المنهج الثابت الذي ارتضاه الله لحياة البشر المتجددة، لتبقى هذه الحياة دائرة حول المحور الذي ارتضى الله أن تدور عليه أبدًا، وداخل الإطار الذي ارتضى الله أن تظل داخله أبدًا، ولتبقى هذه الحياة مكيفة بالصورة العليا التي أكرم الله فيها الإنسان عن العبودية لغير الله.."
وهذا المنهج حقيقة كونية قائمة بإزاء البشرية المتجددة قيام النواميس الكونية الدائمة. التي تعمل في جسم الكون منذ نشأته، والتي تعمل فيه اليوم وغدًا، والتي يلقى البشر من جراء المخالفة عنها، والاصطدام بها، ما يلقون من آلام ودمار ونكال!" (222) ."