فهرس الكتاب
وذكر الجبرتّي أنّ الدولة العثمانية استعملت محمد علي باشا على الأقاليم المصرية ، وحثّته على قتال الوهّابيّين (2) وأخذ الحرمين الشّريفين من أيديهم ، فأظهر الباشا الاهتمام ، وجدّ واجتهد ، وبعث البعوث الكثيرة ، التي لا يحصي عددها إلاّ الله ، وأمر ابنه طوسون باشا أن يسير بها إلى الحجاز ، فوصلت تلك الجموع الكثيرة إلى ينبع وقد ملؤوا شعابها ووهادها خيولًا ورجالًا وأموالًا وأمتعة ، وقابلهم الوهّابيّون (3) بنحو سبعة آلاف مقاتل ، فتجهزّ الفريقان للقتال وتأهّبا ، فحملت الأتراك على الوهّابيّين حملة رجل واحد ، فثبت لهم الوهّابيّين ثباتًا صادقًا حتى هزموهم ، فولّى الأتراك الأدبار ولاذوا بالفرار ، لا يلوي أحد منهم على أحد ، بل يقتل بعضهم بعضًا ، فكان القويّ يأخذ دابّة رفيقة ويركبها وربّما قتله ، ووقع في قلوبهم الرّعب ، واعتقدوا أنّ القوم في أثرهم ، والحال أنه لم يتّبعهم أحد ، لأنهم لا يذهبون خلف المدبر ، ولو تبعهم ما بقي منهم شخص ، وتزاحموا على السّفن و المراكب الصغيرة فارّين ، فتدافعوا وتمانعوا بالبنادق و الرّصاص ، لكثرة الزّحام و الإشفاق على الفرار إلى مصر ، يقول بعضهم لبعض: كان خلفنا والله عفاريت ، ودخلوا مصر مذعورين ذعرًا شديدًا ، وهم في أسوأ حال ، من الجوع وتغّير الألوان وكآبة النظر و السّحن ، وقد سخط عليهم الباشا ، ومنع أن يأتيه منهم أحد أو يراه ، وكأنّهم كانوا قادرين على النّصرة و الغلبة وفرّطوا في ذلك ، ويلومهم على الانهزام و الرّجوع ، وطفق بعضهم يتّهم بعضًا . انتهى باختصار (1) .
وقال الجبرتي: قال لي: بعض أكابرهم من الذين يدعون الصّلاح و التورع: أين لنا بالنصر ، وأكثر عساكرنا على غير الملّة ، وفيهم من لا يتديّن بدين ، ولا ينتحل مذهبًا ، يستبيحون الزّنا و اللّواط و الرّبا ، وصحبتنا صناديق المسكرات ، ولا يسمع في عَرْضِيَّنا أذان ، ولا تقام به فريضة ، ولا يخطر في بالهم شعائر الدّين ، و القوم إذا دخل الوقت ، أذّن فيهم المؤذّن ، فانتظموا صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع ، وإذا حان وقت الصّلاة و الحرب قائمة ، أذّن المؤذّن وصلّوا صلاة الخوف ، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخّر أخرى للصلاة ، وعسكرنا يتعجّبون من ذلك ، لأنهم لم يسمعوا به فضلًا 'ن رؤيته ، وكشفوا عن كثير من قتلى عسكرنا ، فوجدوهم غلفًا غير مختونين ، ولّما وصل عسكرنا بدرًا ، واستولوا عليها ، وعلى القرى و الخيوف حولها ، وبها خيار الناس ، وأهل العلم والصّلحاء ، نهبوهم وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم ، فكانوا يفعلون فيهم ، ويبيعونهم من بعضهم لبعض ، ويقولون هؤلاء الكفّار الخوارج ، حتى أتّفق أنّ بعض أهل بدر الصّلحاء طلب من بعض العسكر زوجته ، فقال له حتى تبيت معي هذه اللّيلة وأعطيها لك من الغد . انتهى باختصار (2) .
قلت: نعم لقد حاربت الدّولة العثمانية أساس تكوين الجماعة ، وهو التوحيد و السنة ، وأهل التوحيد و السنة ، حربًا لا هوادة فيها ، حتى دمّرت الدّرعيّة ، وقتلت ، وأسرت من أسرت ، حتى ظنّت أنها قضت على التّوحيد وأنصاره الوهّابيّين ، وبدّلت نعمة الله كفرًا ، وأحلّت قومها دار البوار ! .
ثانيًا: زوال الهويّة العثمانية من الناحية السياسية:
منذ توقيع الدولة العثمانية وثيقة انهزامها واستسلامها للصليبيين ، عبّاد الصّليب المعادين ، ومن ورائهم اليهود و الصّهاينة ، وقعت تلك الوثيقة التي تسمّى"صلح كارلوفتسي"عام 1110 هـ 1699م قبل ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بخمس سنين ، ومنذ ذلك التوقيع الانهزامي أصبحت الدولة العثمانية في المنحدر إلى الزّوال ، وتمادى بها ذلك المنحدر حتّى طمع الأوربيون بإزالتها نهائيًا ، وأصبحوا يسمّون سلطان آل عثمان"الرجل المريض"واتفقوا على اقتسام تركته ، لكن اختلفوا على نصيب كلّ منهم ، فكان هذا الاختلاف ، هو الذي أخّر زوال الشّبح العثماني ، مدة من الزمان .
وفي سنة 1221هـ ( 1804م ) تزايد ضعف الدولة العثمانية بظهور عدد من القوميّات العرفية النصرانية التي يثيرها المفسدون في الأرض من اليهود ، في رعاياها متمردة متطاولة ، ثم تتدخّل الدول الصليبية الأوربية حميّة على إثر هذا التمرد ، بحجّة تنظيم أو تحسين أوضاع هذه القوميات المضطهدة بزعمهم ، فيضطر الباب العالي إلى منح امتيازات انهزامية لهؤلاء الرّعايا ، حتى أسفر هذا الوضع إبّان القرن الثالث عشر الهجري ، عن ثورات لا حصر لها من جانب الرعيّة ضدّ السلطان ، وثلاثة حروب روسية نصرانية ضد تركيا ، وحربين اشتركت فيهما فرنسا وإنجلترا علاوة على روسيا إمّا إلى جانب تركيا ، أو ضدّها ، فبدأت الشّرارة الأولى من الصّرب في 1804م ، وحصلوا على تأكيد استقلالهم سنة 1829م ، ثم ثار اليونانّيون سنة 1820م ، فاستنجد السّلطان بوالي مصر محمد عليّ سنة 1825م ، فأرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش منظّم ، ثم اجتمعت روسيا وفرنسا وإنجلترا لحرب تركيا ، تأييدًا لثورة اليونان ، وجرت معركة نفارين ( 12 أغسطس 1827م ) فتحطّم الأسطول المصريّ التركي ، ونالت اليونان استقلالها ، وفازت روسيا ببعض الأراضي التركية في آسيا ووسّعت حدود اليونان سنة 1829م ، واعترفت روسيا وفرنسا وإنجلترا باستقلال اليونان سنة 1832م ، وراحت فرنسا تمزّق أوصال تركيا في المدة ما بين 1830م - 1841م ، فاحتلّت الجزائر سنة 1830م ، وأيّدت ثورة مصر محمد عليّ ضد تركيا ، فطمع محمد عليّ ، فاستولى على الشّام ما بين سنتي 1831م - 1832م وصار السلطان العثماني يستنجد بالإنجليز ، ثم بروسيا سنة 1833م وراحت فرنسا وإنجلترا تضغطان على السلطان للتّراضي مع محمد علي حتى نزل السلطان له عن فلسطين و حلب ودمشق وسائر بلاد الشام في أواخر إبريل 1833م . انتهى ملخصًا (1) .
ثم أتفقت بريطانيا و النمسا وبروسيا وروسيا في 15 يوليو 1840م ، في لندن على الضغط على محمد عليّ ليكتفي بولاية مصر سلطة الإنكليز ، وفي سنة 1915م تتفاهم روسيا وإنجلترا على اقتسام أملاك السلطان العثماني ، فنأخذ روسيا القيصرية القسطنطينية ، وإنجلترا مصر وكريت . انتهى ملخصًا (2) .
ولا ننسى ثورة القومية العربية التي خطّط لها الصّهاينة ، وأريد منها أن تكون مناقضة للإسلام ، خارجة على الخلافة العثمانية ، وتزعّمها نصارى العرب أولًا ، ثم بعض العرب الذين نصبتهم تركيا الفتاة الماسونية اليهودية ، وبمخططات بريطانيا العظمى ، و الصهيونية العالمية ، عن طريق ممثليها ، مثل لورانس العرب وغيره (3) .