فهرس الكتاب
و الواقع أن الدولة العثمانية كانت- في سياستها - تقوم على نقض الجماعة بترك الحبل على الغارب ، لتستثمر ذلك بزعمها ، فاستبدّ بالأمر دونها كثير من ولاتها الطّامعين ، وتمزّقت رعاياها ، وأصبح السلطان العثماني ليس له من الأمر شيء ، وإنّما لبعض الوزراء و الولاة من العناصر الأجنبية عن الإسلام ، ومن يهود الدّونمة وماسون سلانيك ، فانقلبت الدولة إلى منظمة نفاق ومكر ، وإرهاب وفتن ، وفوضى واغتيال ، وتمزق واضطراب ، واكتفى السلطان العثماني بتأييد الغالب ولو كان إرهابيًا ظالمًا ، فكثر الظلم وعمّ الضعف ، وانتشر السّلب والنهب ، وفقد الأمن والاستقرار (4) .ولقد كانت الدولة العثمانية هي التي فتحت على نفسها باب إفساد خلافتها الإسلامية منذ قيامها ، فكان سلاطينها - منذ أول أمرهم - لا يطيقون الشرع الإسلامي وأحكام أهل الذّمة فيه ، على الجاليات الكافرة في البلاد التي يستولون عليها ، وبرّروا ذلك بمبدأ: أن على السلطان الفاتح ، أن يلتزم بما منح الأباطرة البيزنطيون ! هذه الجاليات من امتيازات ، ومن هذه الامتيازات: استثناء هذه الجاليات من تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليهم ، وتركهم يصرّفون أمورهم بطريقتهم الخاصة ، فتبع ذلك تشكل محاكم قنصليّة ، ذات صلاحية تامة للنظر في الدعاوى بين رعاياها ، وكانوا لا يخضعون لقوانين الدولة العثمانية ، وكان القاضي - في هذه المحاكم - هو القنصل نفسه ، يعاونه مستشاران ، وكانت الأحكام الصادرة عنها تنفذ على أرض الدولة العثمانية الإسلامية ، وكان في القسطنطينية جالية يهودية كبيرة لهم أمير ، وقد أعطاها السلطان محمد الفاتح هذه الامتيازات ، ومن هنا يتّضح غلط من قال:إن الفتح العثماني للقسطنطينية هو الفتح الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (1) عن أبي هريرة وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( فيفتحون قسطنطينية فبينما هم يقتسمون الغنائم ، قد علّقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان أن المسيح( الدجال ) قد خلفكم في أهليكم ، فيخرجون ، وذلك باطل ، فإذا جاءوا الشام خرج فبينما هم يعدّون للقتال ، يسوّون الصفوف ، إذا أُقيمت الصلاة ، فينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام فأمهم، فإذا رآه عدوّ الله ذاب ، كما يذوب الملح في الماء ، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده ، فيريهم دمه في حربته )).
فمن تأمل وضع الفتح العثماني المذكور ، وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية وصِفته في هذا الحديث ، يجد أنّ الصّفة لا تنطبق على الفتح العثماني (2) . والله أعلم .
وقد وصل الأمر في ظّل الدولة العثمانية إلى إدخال ما يسمونه الإصلاحات و التنظيمات بل عمّمت الدولة هذه التنظيمات و القوانين الأوربية ، المخالفة للإسلام على ولاياتها ، لتحل محل الشريعة الإسلامية ، عن طريق مدحت باشا ، الصّدر الأعظم ، وغيره ، ودالت الدولة العثمانية لحزب الاتحاد و الترقّي ، أو تركيا الفتاة ، فنشأت حركة الاتحاد الطوراني ، على أساس قومي عرقي ، لتوثيق الروابط بين جميع الشعوب التي تتكلم التركية ، وصمّموا على إحلال اللغة التركية محلّ اللغة العربية في البلاد العربية ، وأخذوا يبحثون عن عبادات أجدادهم ، كالذّئب الرمادي ، وأصبح شعارهم: إهمال الجامعة الإسلامية ، إلاّ إذا كانت تخدم نفوذ القومية الطورانية ، وغلوا في ذلك حتى قالوا: نحن أتراك وكعبتنا طوران ، وأصبحوا يتغنون بمدائح جنكيز خان ، وهولاكو ، ويفخرون بفتوحات المغول ، وأخيرًا وصل بهم هذا التحول إلى أن حولوا دولتهم إلى العلمانية ، حوّلوها حتى اسم الإسلام لأنها - في الحقيقة - قد تخلت عنه نهائيًا ، وزعموا أنهم ألغوا الخلافة الإسلامية ، على يد زعيمهم كمال أتاتورك (1) ، فاعتبروا يا أولي الأبصار .
ولم تكن بلاد نجد على الخصوص ، بل الجزيرة العربية كلها ، لم تكن تنعم بحكم صالح قويّ يوحّد أجزاءها ، ويحكم سير الأحداث فيها بعلم وعدل ، ويوجد فيها أمنًا شاملًا وسياسة رشيدة مستقرة مثل ما نعمت به دول أنصار التوحيد من آل سعود منذ حكم الأخيضريّون اليمامة وما حولها من سنة 253هـ تقريبًا ، وهم فرقة من الزيدية ، يقولون في الأذان: ( محمد وعليّ خير البشر ، وحيّ على خير العمل ) وكانوا سّيئي السيرة (2) ، تغلبوا على البلاد ، وأعلنوا استقلالهم عن الخلافة العباسية ، واستمر ملكهم على اليمامة ، حتى غلبهم القرامطة الأسوأ ، سنة 317هـ ، وشمل شرّهم الجزيرة ، وامتدّ إلى مصر . وفي المدينة المنورة ، في القرن الخامس الهجري تقريبًا ، إلى ما بعد السبعمائة زمن العبيديين وقبله كان الأمر في المدينة المنورة للرّوافض ، فكان القضاء و الخطابة لسنان الحسيني وأهل بيته ، توارثوا ذلك ، وكانت الخطبة باسم المتولي من العبيديين بمصر ، وكان أهل السنة و الجماعة في مشقة عظيمة ، ذكر العلامة ابن فرحون أنه أدرك ذلك ، وأنهم لا يقرؤون كتبهم ولا يسمعون حديث نبيهم صلى الله عليه وسلم خفية وذكر ابن جبير في رحلته ، أنه شاهد عند دخوله المدينة الشريفة في يوم الجمعة ، السابع من محرم سنة 580هـ الخطيب في المسجد النبوي وهو على مذهب غير مرضّي ، جلس بين الخطبتين جلسة طويلة ، يستجدي الناس ، وابتدر الجمع مردة من الخدّام ، يخترقون الصفوف ويتخطّون الرقاب ، كُديةً على الأعاجم و الحاضرين ، فمنهم من يطرح له الثوب النفيس ، ومنهم من يخرج له القطعة الغالية من الحرير ، ومنهم من يخلع عمامته فينبذها له ، ومنهم من يتجرد من برده فيلقي به ، ومنهم من يدفع القراضة من الذهب ، ومنهم من يمدّ يده بالدينارين ، ومن النساء من تطرح خلخالها أو تخرج خاتمها فتلقيه ، إلى غير ذلك مما يطول وصفه ، و الخطيب في أثناء هذه الحال جالس على المنبر يرقب من يستجدي له وما يدفع له ، حتى كاد وقت الصلاة يفوت ، وقد ضجّ من له دين وإخلاص ، والخطيب جالس ق أراق ماء الحياء من وجهه ولم يقم إلى الخطبة الثانية حتى اجتمع له من ذلك السحت المؤلّف كوم عظيم ، جعل أمامه حتى أرضاه ، وكان ذلك دأبهم في كلّ موسم مع حضور الحجاج من أقطار الأرض ، قال: وكان جاء إلى المدينة القيشانيون الإمامية من العراق ، وكانوا أهل مال عظيم يتألفون به ضعفه الناس ويعلّمونهم مذهبهم ، فكثر المشتغلون به ، وليس لهم ضادّ قويّ لا في الجزيرة ولا في مصر ولا في الشام (1) ، وعندما استولى الفاطيمون على مصر ، سنة 362هـ ، 973م ، وانفصل شمال أفريقيا عن العباسيين ، استقل الأشراف الحسنيون بمكة ، يذكر المؤرخ الحافظ ابن كثير المتوفى سنة 774 هـ في البداية و النهاية: أن قتادة بن إدريس العلوي الحسني الزيدي كان أميرًا لمكة ، فيما قبل 617 هـ وهو من أكابر الأشراف الحسنيين الزيديين ، كان لا يخضع للخليفة ويرى أنه أحق بالأمر (2) .