فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 719

ويذكر ابن كثير: في سنة 617هـ أنه كان في مكة ، من يصفهم: بعبيد مكة و المفسدين بها ، ينهبون الحاجّ ، ويزعزعون أمنهم ، قال: وفي هذه السنة قدم أمير الحاج العراقيين: أقباش ، ومعه خلع للأمير حسين بن أبي عزيز قتادة الحسي الزيدي بولايته لإمرة مكة بعد أبيه قتادة ، المتوفى في جمادى الأولى من هذه السنة ، ونازعه أخوه الأكبر راجح ، فوقعت بينهما فتنة ، قُتل فيها أقباش غلطًا ، واستولى حسين هذه ، فظلم وجد المكوس ونهب الحاجّ غير مرّة ، فسلّط الله عليه ولده حسنًا ، فقتله ، وقتل عمّه وأخاه أيضًا ، فلهذا لم يهمل الله حسنًا أيضًا ، سلبه الله الملك وشرّده في البلاد وقُتل (3) .

ثم اعترف شريف مكة الشريف بركات بسيادة العثمانيين ، مقابل أن يثبت العثمانيون الأشراف في مراكزهم ، وخضع الحجاز لحكم ثنائيّ مزدوج بين الأتراك و الأشراف ، كان هذا الحكم المزدوج من أهم عوامل اضطراب أحواله ، واختلال حبل الأمن في ربوعه ، وحسب القارئ أن يفتح أيّ كتاب في التاريخ أو الرحلات إلى الأراضي الحجازية ،ليقف على حالة الأمن في الحجاز منذ خضع لحكم الأشراف (1)

والخلاصة: أن الحجاز في ظلّ الدولة العثمانية ، قد تمزّق أمنه ودينه ، بمنازعات الأشراف ، وتحاربهم على الحكم فيما بينهم ، كانت الحرب تقوم بين الأخ و أخيه ، وبين العمّ وابن أخيه ، وأهدرت الدماء بغير حقّ ، واستحلّت الحرمات ، وأهملت أمور الدّين حتى لم يعد الشريف محلّ ثقة بأمور الإسلام في نظر المسلمين ن بل سمع الأشراف بدعوة التوحيد تشرق من نجد ، اتّخذوا اشد التدابير العدائيّة ضدّها ، وبدّعوا أهلها ، بل كفّروهم ومنعوهم من الحجّ (2) .

وبلاد نجد على الخصوص ، لم تشهد أي نفوذ عثماني ، كما لم تشهد سلطانًا صالحًا قويًا ، فيما سبق ظهور آل سعود بمناصرة الإسلام ، كما سبق بيانه ، وإنما هي مجزّأة إلى إمارات صغيرة ، متفرقّة متعادية ، في كلّ قرية أمير لا يخضع للآخر ، بل وصل الحال ، إلى أنّ القرية الواحدة ، تتمزّق بين أميرين ، أو ثلاثة أو أكثر ، وكلّ واحد يتربّص بالآخر ، ويتحيّن فرص الوثوب عليه (3) .

ج- اختفاء هوية الجماعة السعودية المؤقت ، أمام الحملة المصرية التركية الأوربية ( حملة محمد علي باشا ) :

خلف الإمام سعود ابنه الإمام عبدالله (( فسار سيرة والده ، إلاّ أنّ إخوته لا يوافقونه على إرادته ، وكان لا يخالفهم ، ونازعه أخوه فيصل بن سعود ، فكان يأمر ، وفيصل يأمر ، تفرّقت كلمتهم ، وضعفت شوكتهم ، ونفر منهم فئام من العرب ، واتّسع الخرق في قوّتهم ، فحاربتهم الدولة المصرية ، وانحاز إلى المصريّين أكثر العرب من نجد و الحجاز واليمن و العراق والشّام ) ) (1) وبسبب الذنوب ، وضعف تحقيق التّوحيد و السنة و الجماعة والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، وتفرّق أنصار التوحيد فيما بينهم ، ضعفت القوّة بعد أن كانت مجتمعة موحّدة ، فطمع الأعداء و توالت الحملات المصرية التركية في زحفها على أهل التوحيد والسنة و الجماعة ، إلى أن وصلت تلك الجيوش الظّالمة الدّرعية ، وبعد حصار وقتال استمر سنة كاملة ، استسلم الإمام عبدالله ، عام 1233هـ ، وقُتل في تركيا شنقًا - رحمه الله تعالى - ولم تطل مدّة حكمه أكثر من أربعة أعوام ، كما قُتل في الدّرعية الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - صاحب ( تيسير العزيز الحميد ، شرح كتاب التوحيد ) وقتلوا من قتلوا ، وأسروا من أسروا ، حقدًا على العلماء ، وعلى أهل السنة و الجماعة ، قال الشيخ عبدالعزيز بن معمّر شعرًا:

وكما قتلوا من عصبه الحقّ فتية هداة وضاة ساجدين وركّعا

وكم دمّروا من مربع كان آهلًا فقد تركوا الدّار الأنيسة بلقعا

إلى أن قال:

عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ويجبر منّا ما قد تصدّعا

إلى قوله:

إلهي فحقّق ذا الرّجاء وكن بنا رؤوفًا رحيمًا مستجيبًا لنا الدّعا (2)

وبهذا يتبيّن أن الاختلاف في تحقيق المراد بالجماعة ، وعدم السّمع والطاعة للإمام ، هو سبب اختفاء هوية الجماعة السعودية المؤقّت ، أمام الحملة المصرية التركية الأوربية ( حملة محمد علي باشا ) الذي كان - في الحقيقة - أداة لتحقيق أغراض بريطانيا العظمى (3) ، ولكن لولا اختلاف أهل الحلّ و العقد من آل سعود ، وحقّق الرّجاء ، كما سنبيّنه فيما يأتي ، في مبحث ( المملكة العربية السعودية ) تحقيق واقعيّ للمراد الشرعي بالجماعة ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم .

د- عولمة الإرهاب و الفتنة:

من آثار اختلاف المسلمين في المراد بالجماعة ، عولمة الإرهاب و الفتنة ، ومحور ذلك ومصدره في العالم كلّه هم اليهود ، ودولتهم التي تسمى زورًا بإسرائيل ، لأنّ إسرائيل هو يعقوب - عليه السّلام - وهو منهم بريء ، براءة الذئب من دم ابنه يوسف ، فهو مسلم أوصى بنيه بدين الإسلام ، الدّين الحق ، كما قال الله تعالى عنه أنه قال: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) "البقرة: 132: ، واليهود أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا ، كما قال الله تعالى:"

(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) "المائدة: 82"، وقال تعالى: ( يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ) "المائدة: 33"، وقال تعالى يحذر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من فتنتهم وإرهابهم: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ) "المائدة: 49".

ومن يطالع كتاب محمد خليفة التونسي ، بعنوان ( الخطر اليهودي ) ، بروتوكولات حكماء صهيون ) أوّل ترجمة عربية أمينة كاملة مع مقدمة تحليلية في مائة صفحة ، وكتاب ( أحجار على رقعة الشطرنج ) لمؤلفه وليام غاب كار - يدرك أن اليهود من وراء عولمة الإرهاب و الفتنة ، فهم من وراء كلّ فتنة وإرهاب في العالم ، هم من وراء الصهيونية ، يرونها قوميتهم المشتركة ، لأنّ الصهيونية مفيدة لهم فهي دعوة لتجمّعهم حول جبل صهيون بفلسطين ودخل فيها من ليس من اليهود لمصلحة اليهود ، يقول إسرائيل إبراهامز: (( لقد أجمع يهود العالم على أن قوميتنا اليهودية المشتركة ، لن يكتسحها قصيرو النظر المتعصّبون من دعاة الوطنية المحلّيّة ، فجميعنا إذن صهيونيون ، بحكم أن الصهيونية هي التي تقوّي فينا روح التّضامن ، وتشعرنا بقوميّتنا المشتركة ) ) (1) فهم من وراء الشيوعية ومن وراء إفساد النصرانية ، وتحويلهم من عقيدة التوحيد إلى اعتقاد أن المسيح ابن الله ، وعبادته ، وعبادة الصّليب ، ومن وراء تفتيت وحدة الامبراطورية الرومانية وتمزيقها ، وظهور الشيوعية ، والرأسمالية ، وإشعال الحروب بين الدول ، والسيطرة عليها وعولمة الصهيونية وتسخيرها لخدمة أهدافها الشريرة ، فقد عمل اليهود على تحويل ولاء المسلمين للجامعة الإسلامية ، إلى ولاءات عرقية وعنصرية ، كالطورانية التي ظهرت في جمعيّة الاتحاد و الترقي ، أو تركيا الفتاة .

يقول زين نور الدّين زين: عن الفكرة الطّورانية: يعتقد أنها مستمدة من كتاب فرنسي ، اسمه: ( M.leon Cahun ) يوزّعه القنصل الفرنسي العام في سالونيكا ، حيث يرى فيه كاهون أن الطورانيين كانوا - فيما مضى من الزمن - شعبًا ذكيّا ممتازًا ، لكنّه أخذ بالتقهقر والانحلال عندما تخلى عن الخصائص التي كان يتميز بها في صحارى آسيا الوسطى ، واعتنق الإسلام دينًا وحضارة )) (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت