فهرس الكتاب
وتدرك دول مجلس التعاون أن أمامها مصالح مشتركة ؛ لا غني لدولة بمفردها عنها ، ولا تستطيع تحصيلها بمفردها ، وأمامها تحدّيات أخطار مشتركة ؛ لا طاعة لدولة منفردة بدفعها ، ولا احتوائها بلا ضرر بالغ ، ولا تتحقّق تلك المصالح أو بعضها ، وتندفع تلك المفاسد أو جلّها ، إلا من خلال تعاون دوله التّامّ ، ونجمل ذكر تلك المصالح المحتاج إليها ضرورة فيما يأتي بأمرين:
1-الحاجة المشتركة إلى الإسلام: جميع دول المجلس إسلامية ، وتحتاج إلى الإسلام حاجتها إلى جلب السعادة ودفع الشفاء ، وأرضها الإسلام ،كانت منطقة الخليج في جانبها الغربي من الخليج قد سعدت بالحم الإسلامي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد شقائها بالجاهلية وعبوديتّها للفرس و المجوس و الوثنيين ، أما الجانب الشرقي من الخليج ؛ فقد سعد بدخوله في ظلّ الحكم الإسلامي الرّحيم ؛ في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وبعد ذلك سعدت المنطقة بشقيها الغربي و الشرقي بوارف خير الخلافتين الأموية و العباسية .
أما المملكة العربية السعودية ؛ فهي على الخصوص تضمّ مكة المكرمة ، و المدينة المنورة ، وفيهما الحرمان الشريفان ؛ مهد الإسلام ، ومأرز الإيمان ومهوى أفئدة المسلمين ومهبط وحي ربّ العالمين ، ومنطلق دعوة سيد المرسلين وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ أي أنّ المملكة منطلق السعادة و النّور ، والإسلام والسنة ، ولن يصلح أهل هذه المنطقة إلا الإسلام ، كما قال مالك - رحمه الله: (( لن يصلح آخر هذه الأمة ، إلا بما أصلح أولها ) )، واجتماعها على الإسلام تحقيق لقوة المجلس وهيبته وعزته ؛ كما قال عمر - رضى الله عنه: (( إنّ الله أعزكم بالإسلام ؛ فمهما تطلبوا العزّ بغيره أذلكم الله ) )حيث لا إسلام على الكمال إلا بجماعة ، وما لم يهتمّ المجلس بتحقيق الإسلام وتطبيقه في مجتمعه حكمًا واعتقادًا ، وعلمًا وعملًا ؛ فهو في خسر ، ولا يحصل على ربح ، كما قال تعالى: (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) )ونسأل الله أن يوفقهم لتحقيق المراد الشرعي من الجماعة على الكمال المطلوب الواجب ؛ لإثبات الهوية الخليجية الإسلامية أمام عولمة الإرهاب و الفتنة.
2-الحاجة إلى الأمن المشترك: الخليج محطّ أطماع دول الاستعمار الكبرى المعادية للإسلام ، ومن ورائها اليهود والصهيونية ؛ وذلك لموقعه طريقًا مائيًا تجاريًا رئيسًا بين الشرق و الغرب ، ومركزًا عالميًا للملاحة ؛ ولذا كان أقدم موطن للحضارات البشرية ؛ وكان يعدّ من أغنى المناطق الإسلامية وأنشطها ، وبترول الخليج أيضًا - في العصر الحاضر - يعدّ شريان حياة الحضارة المعاصرة ؛ ممّ جعل الخليج موقع أثمن كنز في العالم ؛ توجّهت إليه أطماع الدّول الأجنبية و الغربية ؛ وكانت هذه الدول الطامعة ، تتّبع شتّى الوسائل للسيطرة عليه ، ومنها استعمال القوّة ؛ لتحطيم أي قوة بحرية وطنية ؛ تحاول الخروج عن طوق الأجنبي ؛ كما فعلت بريطانيا ؛ تجاه قوّة القواسم في رأس الخيمة البحرية العربية النامية ؛ الممتدّة على الساحل الشمالي من عُمان ؛ الذي أطلق عليه الإنجليز ( ساحل القراصنة ) ذلك لأن تلك القوة اصطبغت بصبغة الجهاد في سبيل الله ؛ وهذا الجهاد في نظر الفلسطينيين الذين يقاتلون لتحرير وطنهم بأنهم إرهابيون ، وبعد أحداث 11 سبتمبر على أمريكا ظهر في أميركا الصديقة من يصف الإسلام و المسلمين بالإرهاب ؛ ولا شك أن ذلك بضغط من اليهود و الصهاينة ؛ وهم الذين زرعوا الإرهاب بغير حق وصدّروه إلى العالم ، ومنذ طمع اليهود بضعف أخذ المسلمين بدينهم ؛ طمعوا باحتلال فلسطين وغيرها ؛ فاجتهدوا بوضع الخطط السرية من خلال جمعياتهم السرية من خلال جمعياتهم السرية وأدواتهم في بريطانيا وأمريكا ؛ لفلّ الجامعة الإسلامية ، وتمزيق ولاء المسلمين لخلافتهم ، وإبطال مفعول الجهاد في سبيل الله تعالى ! .
يقول ليمان ساندرز ، في كتابة ( خمس سنوات في تركيا ) : (( إنّ الجهاد الذي أعلنته تركيا كان أمرًا بعيدًا عن الواقع ) ) (1) ؛ ذلك أن اليهود كانوا قد توصّلوا إلى إغواء تركيا أن تنضم في جهادها إلى ألمانيا القومية ، وتنضوي بجهادها تحت راية ألمانيا القومية العميّة الجاهلية ، ويتحول جهادها إلى مصلحة ألمانيا فوق الجميع فحسب ، وإفراغه من هدفه أن يكون في سبيل الله ؛ لإعلاء كلمته .
وفي نفس الوقت توصّلوا إلى إغواء الثورة العربية بالسير مع لورانس العرب في تخطيطه اليهودي إلى أن يضمّوا ثورتهم التحررية إلى إنجلترا في حربها ضد ألمانيا ؛ كي يفرغوا انتفاضة العرب وجهودهم في مصلحتهم الصهيونية فحسب .
وهذا الأمر كان قد أدركه عبد العزيز - رحمه الله - فاستطاع بتوفيق الله أن يجنّب جهوده من تفريغها عن هدفه أن تكون في سبيل الله تعالى ، لتأسيس المملكة مستقلّة على الإسلام .
وهو الأمر الذي يدركه قادة مجلس التعاون لدول الخليج السّتّ ؛ حين عارضوا مفهوم الغرب لأمن الخليج ؛ وهو أنّ الغرب يدرى أنّ أمن الخليج لا يتم إلا بحماية منهم ، وأنّ الخليج بعد استقلال دوله يعيش ما يسمونه"فراغ القوة"وأنّ على الغرب أن يقوم ببعض الترتيبات التي تسدّ هذا الفراغ ، ولو بالتدخل الغربي ، وجر المنطقة إلى حموة الصراع بين المتنافسين عليها ؛ لأن أمنه - بزعمهم - معرض للخطر الجسيم ، وأنه يعيش فراغ القوة المزعوم ، والحقيقة هي أن الغرب خشي على أطماعة في المصالح الحيوية في المنطقة ، وأراد أن يقوم بالترتيبات التي تضمن له انسياب النفط إليه بلا منازع حتى من أهله ؛ غير أن قادة مجلس التعاون - ولله الحمد - فطنوا لما يدور في الدوائر الأجنبية من هذه الأطماع فأعلنوا أن حماية أمن الخليج هو مسؤولية أبنائه ، وطالبوا بإبعاد المنطقة عن الصراع الدولي والتدخّلات الأجنبية ضدّ أمن واستقرار المنطقة ؛ ومن هذا المنطق أقاموا مجلس التعاون المبارك لدول الخليج السّتّ .
والخلاصة
أجملها فيما يأتي:
1.أن إثبات هوية الجماعة الإسلامية ؛ أمام عولمة الإرهاب و الفتنة ؛ إنما يكون بتحقيق المراد الشرعي بالجماعة .
2.أن الاختلاف في المراد الشرعي بالجماعة ، يزيل هويّة الجماعة الإسلامية ، أمام عولمة الإرهاب و الفتن .
3.أن المراد الشرعي بالجماعة ، في كل وقت وزمان: هم طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، تمّ اجتماع أهل الحلّ و العقد منهم ، على تأمير إمام موافق للكتاب و السنة ، وعقدوا له البيعة على ذلك ؛ بعد فراغ ذممهم من أي بيعة سابقة ؛ فعقدهم صحيح ، وليس لغيرهم أن يحلّ ذلك العقد ؛ ولو لم يجتمع عليه الجميع ؛ لأنه إذا بويع الخليفتين ؛ يقتل الآخر منهما ، ولأنّ العامة ليس لرأيهم - في هذه المسألة - العظيمة اعتبار .
4.أن عدم وجود الإمام العام في هذا الزمان ، بسبب تفرق المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة ؛ لا ينفي وجود الجماعة الفرقة الناجية المنصورة ؛ ذات الولاية الشرعية ؛ فهي جماعة المسلمين وإمامها إمامهم ، يجب لزومها ، ويحرم الخروج عليها ، ولا عبرة بالمفارق لها ؛ وإنما يجب أن يرجع إليها .