فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 719

وهكذا قضى عبدالعزيز - رحمه الله - على الفتن ، وظهر بلاده منها ، وجنّب عنها ، قاتل الجموع ، ولم يخف ولم يضعف ولم يهن ، وضحّى بكل ما يملك ؛ حتى لا تكون فتنة ، وترك القتال لئلًا يكون القتال فتنة.

وكان نتيجة ذلك: ( المملكة العربية السعودية ) نواة الوحدة الإسلامية الكبرى ، ومعقل جماعة المسلمين ، ومرجعيتهم الدينية علمًا وعملًا ، وحّدها الملك عبد العزيز - رحمه الله - بالتوحيد ، من مناطق متباعدة ، وقبائل متفرقة وشعوب مختلفة ، وأجناسٍ متعدّدة ؛ حتى أصبحت النموذج الفريد من تركيبه العالم الإسلامي ، والنواة الوحيدة للوحدة الإسلامية الكبرى ، و المعقل الأمين لجماعتهم الناجية ، كيف لا ؟ وقد ضمّت مهبط وحي الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ، منطلق دعوته صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله الذي هو حقه على عبيده ؛ ضمّت مكة المكرمة ، و المسجد الحرام ؛ قبلة المسلمين ، ومناط حجّهم ؛ الرّكن الخامس من أركان الإسلام ، وضمّت المدينة المنورة ؛ المنورة بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجده وحرمه الشريف ، ومثوى جثمانه الطاهر صلى الله عليه وسلم .

ولقد أصبحت المملكة العربية السعودية تحتلّ المكانة الدينية في العالم الإسلامي مكان القلب من الجسد ؛ سواء في البناء وتوحيد الكيان ، أو في التربية و التعليم ، أو في الحكم و الإدارة ، أو في التنفيذ و التطبيق منذ نشأة بنائها إلى استكماله وتطويره ؛ من لدن الموسّس الملك عبد العزيز ، ثم أبنائه الملك سعود وفيصل وخالد - رحمهم الله - إلى عهد باني نهضتها ورائد تقدّمها ، خادم الحرمين الشريفين الملك المفدّى فهد بن عبد العزيز ، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ، والنائب الثاني ؛ صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز - حفظهم الله وأمدّهم بعونه وتوفيقه ، وأيدهم بنصره ، وأعزهم بالإسلام ، وأعزّ الإسلام بهم .

ولقد حبا الله المملكة العربية السعودية موقعًا متميزًا جغرافيًا وتاريخيًا واقتصاديًا ؛ فهي تقع في القلب العالمّي ؛ تقع على البحر الأحمر غربًا ، وعلى الخليج العربي شرقًا ؛ اللذين يربطان بين البحر الأبيض المتوسط ، و البحر العربي ، المتصل بالمحيط الهندي والهادي ( الباسفيك ) فأصبح موقعها وسطًا ، وملتقى لجميع الطرق العالمية ، ومساحتُها أكبر من أوربا الغربية ؛ بالإضافة إلى بريطانيا ؛ بمقدار الضعف تقريبًا ، وشملت وحدتها ما يزيد على أربعة أخماس شبه الجزيرة العربية ؛ كما حباها الله بالموارد الاقتصادية الضخمة من أرضها ، وأهمّها البترول ؛ ذو الأثر الفاعل في الاقتصاد العالمي ، والمعادن الأخرى ، و الزراعة ، و المواشي ، والأسماك ، وغيرها ؛ ممّا أعناها الله به عن غيره سبحانه وتعالى .

ولذا نرى أن اليوم الوطني للملكة ، هو يوم توحيد وطن التوحيد بالتوحيد ، وبالتالي هو يوم الجماعة ؛ فلئن سّمي عام الأربعين من الهجرة النبوية عام الجماعة ؛ لاجتماع الأمة الإسلامية على معاوية رضى الله عنه ؛ فإنه يحق لنا أن نسمّي اليوم الوطني للملكة يوم الجماعة . ولله الحمد و المنة .

6- ( مجلس التعاون لدول الخليج العربي ) توجه إيجابي نحو تحقيق الجماعة

كانت بداية التّفكير ، في إنشاء مجلس التّعاون لدول الخليج السّتّ ، هو من خلال ورقة عمل طرحت في اجتماعات جانبية للدول السّتّ، أيام مؤتمر القمة الإسلامية ؛ التي عقدت في الطائف ، في آخر يناير 1981م ، وتّمت بعض المشاورات حولها ، في تنفيذ إقامة مجلس التعاون ، ثم في 4 من فبراير من 1981م ، عقد في الرياض ؛ عاصمة التوحيد ، مؤتمر ضمّ وزراء خارجية دول الخليج العربية السّتّ ، أسفر عن الاتفاق على إنشاء المجلس .

وتّم في 2 من مايو من 1981م الإعلان التاريخي عن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في المؤتمر الأول لقادة الدّول السّتّ المشكّلة للمجلس (1) ، ومن هنا نستطيع القول: إنّ تأسيسه تمّ بإيحاء هاجس توحيدي ، وحسنّ إسلاميّ ، يؤمن بالجماعة وأثرها في إثبات الهوية أمام عولمة الإرهاب و الفتنة .

ولاشك أن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربي ، واتحاد دوله وشعوبه ، له أهمية كبيرة من حيث ظهوره أمام تحديات عولمة الإرهاب و الفتنة ، صفًا واحدًا متماسكًا قويًا في مواجهة الأخطار المحدقة و التهديدات الطامعة التي تصدر من هنا وهناك ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم ؛ كما تتداعى الأكله على قصعتها ) ).

ويمكن أن نلتمس بعض أبعاد هذه الأهمية من البيان الختامي ، للدّورة الأولى ، لمجلس التعاون ؛ التي عقدت في الإمارات العربية المتحدة ؛ حيث جاء فيه: (( إن ظهور مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الوجود ؛ يعني الاستجابة للواقع التاريخي و الثقافي و الاقتصادي و السياسي والاستراتيجي الذي مرت وتمر به منطقة الخليج العربية ، وهو أشد إلحاحًا في الوقت الحالي . . ) )ثم يستطرد البيان في تصوير موجباته ؛ فيقول: (( إن التحديات التي تواجه هذه المنطقة تتعاظم حاجة العالم الصناعي للنفط ، وأصبح الاندماج الخليجي هو العامل الحاسم نحو توجه جديد ورحب لصياغة سياسة اقتصادية ، واجتماعية أن تدفع الشهوات الدولية ، بحيث لا تجد لها موضع قدم في منطقة مندمجة ومتعاونة ، لها صوت واحد ، ورأي واحد ، وقوتها واحدة ، وبدون هذا التجمع والاندماج ، تستطيع تلك الأطماع أن تجد لها ألف محطّ قدم ، في منطقة غنية بنفطها ، ومشكّلة كيانات صغيرة يسهل إنزالها ) )أهـ (1) .

وقيام المجلس لهذا الهدف خطوة أولى نحو الاتحاد المتكامل ، وفي نظري يعدّ توجّهًا إيجابيًا نحو تحقيق الجماعة ؛ إن ارتكز - بقدر الإمكان والاستطاعة - على أساس قيام الجماعة ؛ وهو التعاون على البرّ و التقوى ؛ في ضوء الإسلام الخالص من الشّوائب ، و البدع ؛ لأنه الدّين الحق الذي يقدّم القناعة على الإلزام ، و الواقعية قبل الخيالية ؛ وهو الواقي من الخطر المشترك والعاصم منه- بإذن الله- أمام تحديات عولمة الإرهاب و الفتنة ؛ ولذا سّموه ابتدًاء ( مجلس التعاون ) ليتدرج في خطوة نحو تحقيق المراد الشرعي بالجماعة ؛ وعلى أساس هذا التدرج يسير المجلس نحو الخطوة الأخيرة - إن شاء الله تعالى - ويتمّ له المقصود من استكمال القوّة المحكمة بارتباط العلم النافع بالعمل الصّالح ؛ وبذلك تتحقّق مصلحته المشتركة ، وتندفع عنه المضرّة المشتركة .

وخير مثال لهذه الثمرة ، نصرة الكويت من الظّلم والاعتداء ، وغير ذلك من الثمرات الطيبة ، ومن جميل ما يحصل في قّمته ، تواضع القادة ، وتنازل كلّ واحد منهم في سبيل تحقيق مصلحة المجلس ، وعدم المساس بسيادة أحد منهم في دولته؛ فمتى انعقد المجلس في دولة من دوله ، كانت رئاسته لصاحب الدولة فيها ؛ وهذا معنى إسلامي شريف ؛ حيث ورد فيه: أن الرجل لا يؤمّن الرجل في سلطانه وفي بيته ، ولا بعقد على تكرمته إلا بإذنه ، ولو كان الضيف أفضل من المضيف علمًا ومكانة؛ وهو صلاح في القادة تصطلح عليه الرّعّية - إن شاء الله تعالى - ونرجو لهذا المجلس أن يستتمّ جمعه على الحق يومًا بعد يوم ، وخطوة بعد خطوة ، حتى يكتمل اتحاده على منهج السنة النبوية الراشدة ، و الجماعة الناجية المنصورة ، كما نصّ نظام مجلسه الأساسي على أن اكتمال وحدة دوله هو هدفه النهائي على الخير - إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت