فهرس الكتاب
وقال تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) )"آل عمران: 186". فأمر سبحانه بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى ؛ وذلك تنبيه على الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض ؛ متأولين كانوا أو غير متأوّلين )) (3) .
وليس أحب من جمع كلمة المسلمين لدى عبد العزيز ، والصبر على التّضحية في سبيل ذلك ؛ قال عبد العزيز - رحمه الله: (( أنا مسلم ، وأحبّ جمع كلمة الإسلام و المسلمين ، وليس عندي أحبّ من أن تجتمع كلمة المسلمين ، و إنّني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي في سبيل ذلك ) )، ومع حبّه لجمع كلمة الإسلام و المسلمين ، لم يطلب أن يصير خليفة على المسلمين ؛ خشية أن تقع الفتنة ، ولعدم اتّفاق المسلمين ، ولوقوعهم تحت تأثير الاستعمار الأجنبي ، ولتفرقهم تفرقًا لا يمكن معه إقامة واجب الخلافة .
قال - رحمه الله: (( يقولون إنني أطلب أن أصير خليفة على المسلمين ؛ أنا ما ادّعيت هذا ولا طالبته به ، لأنّ على الخليفة واجبًا هو تنفيذ أوامر الدّين ؛ على كل فرد من أفراد المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها ؛ فهل هناك من رجل يستطيع أن ينفّذ ذلك على المسلمين في هذه الأيام(1) .
ويتحدّث عن سبب ذلك ؛ وأنه هو اختلاف المسلمين أنفسهم ، وتفريقهم لدينهم في الخلافة حتى دمّروه .
قال- رحمه الله: (( أتعرفون ما دمّر الدّين ، وأكثر الفتن بين المسلمين ؟ . . . لم يكن ذلك إلا من اختلاف المسلمين وعدم اتّفاق كلمتهم . . . ) ) (2)
نعم تفرقّوا طرائق ، وأهملوا طريقة الكتاب و السنة ؛ إلا قليلًا منهم ؛ فتسلط عليهم الأجانب يستعمرونهم ويتصرفون فيهم ؛ بسبب من هؤلاء المسلمين المفارقين للجماعة أنفسهم ؛ لا من هؤلاء الأجانب ؛ كما قال - رحمه الله: (( ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم سبب هذه التفرقة وهذه المصائب . . إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من الأجانب ؛ يأتي أجنبي إلى بلد ما ؛ فيه مئات الألوف بل الملايين من المسلمين ؛ فيعمل عمله . بمفرده ! فهل يعقل أن فردًا في مقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس إذا لم يكن له من هذه الملايين أعوان يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم ؟ كلاّ ثم كلاّ . . فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا . . أجل هؤلاء الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم .
إذًا فاللّوم واقع على المسلمين أنفسهم وحدهم لا على الأجانب . . إنّ البناء لا يؤثّر فيه شيء مهما حاول الهدّامون هدمه ؛ إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول ؛ وكذلك المسلمون لو كانوا متحدين متفقين لما كان في مقدور أحد خرق صفوفهم وتمزيق كلمتهم . . . )) (3)
ثم يبين - رحمه الله- الطّريق الصحيح للخلاص فيقول: (( إن المسلمين بخير إذا اتفقوا ، وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ليتقدّم المسلمون للعمل بذلك ؛ فيتفقون فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنّة نبيه ، وبما جاء فيهما ، والدعوة إلى التوحيد الخالص ؛ فإنّني حينذاك أتقدّم إليهم فأسير وإياهم جنبًا إلى جنب ؛ في كلّ عمل يعملونه ، وفي كلّ حركة يقومون بها . . والله إنّني لا أحبّ الملك وأبهته ، ولا أبغي إلا مرضاة الله والدعوة إلى التوحيد ، . . ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التّمسّك بذلك وليتفقوا ، فإني أسير وقتئذ معهم لا بصفة ملك ، أو زعيم أو أمير بل بصفة خادم . . أسير أنا وأسرتي وجيشي وبنو قومي ، والله على ما أقول شهيد ؛ وهو خير الشاهدين ) ) (1) ، ويقول أيضًا: (( وما هو الطّريق الذي أتفق عليه المسلمون ، وجاهدوا فيه وتأخرت عنهم ؟ . . أنا أتأخر وأتقدم بقدر الحاجة ، ولا أعمل عملًا أخرب به بلادي ) ) (2) .
وفي هذا الرد البليغ ؛ الذي يصدقه الواقع ؛ على الذين يتهمونه - رحمه الله - ظلمًا ، بأنه إنما قاتل لأنه طالب ملك دنيويّ ، وترك القتال في سبيل الله ؛ خوفًا على ملكه ، و الحقيقة أنه قاتل وجاهد في سبيل الله لئلًا تكون فتنة ؛ بعد الجماعة ؛ التي هي دولة التوحيد ؛ المملكة العربية السعودية ، وترك مواصلة القتال ؛ لما رأى أن الفتنة تكمن في مواصلة القتال ، لإلزام جميع المسلمين ، بالدّخول في الجماعة ، و السمع و الطاعة ، وإقامة الخلافة وإمامتها العظمى ، وأن ذلك يجرّ من الشّرّ ما هو عظيم من تركه ؛ بعد أن قام عبدالعزيز بما يجب عليه قدرًا وشرعًا ؛ من إنقاذ مهد الإسلام ، ومشرق نوره ، ومكة و المدينة ، وبسط الأمن و الاستقرار في ربوعهما ، وتأمين الحاجّ والزائر ، وإقامة وحدة المملكة على التوحيد ؛ نواة لوحدة المسلمين العظمى ، ومثالًا لقدوتهم ؛ عن هم أرادوا ، ورفعوا عنهم ركام الجهل ، بالقرآن و الحكمة ، واجتنبوا الظلم بعدل السنة النبوية ؛ ففي إكراههم على الوحدة العظمى مفسدة راجحة ، حرب أهلية بين المسلمين مدمّرة ، وقتال فتنة يستطير شرّها ، ويعمّ جميع المسلمين ؛ فدرأ عبد العزيز - رحمه الله - أعظم الشّريّن باحتمال أدناهما ، وانصرف لبناء وحدة مملكته ، وترسيخ دعائمها على تحقيق مفهوم الجماعة ، المستمسكة بالكتاب و السنة ، وإقامة التوحيد الخالص ، ونبذ الشرك بعبادة الله تعالى ، وإن خالفها من خالفها من الفرق الإسلامية المفارقة وناوأها ؛ فإنّ ذلك لا يضيرها ولا يضرّها ، بمشيئة الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال من أمّتي أمة ، قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ؛ حتى يأتيهم أمر الله ؛ وهم على ذلك ) ) (1) .
أما إذا اعتدى معتدٍ وبغى باغٍ ؛ يزيد تمزيق وحدة المملكة ، وتفريق جماعتها ؛ فلن يسمح له بحول الله وقوته ، كما قال عبد العزيز: (( في بلاد العرب والإسلام أناس يساعدون الأجنبي على الإضرار بجزيرة العرب والإسلام وضربها في الصّميم ، وإلحاق الأذى بنا . . ولكن لن يتم لهم ذلك - إن شاء الله - وفينا عرق ينبض ) ) (2) .
يروي رئيس أنصار السنة الشيخ محمد حامد الفقي عنه ؛ فيقول: سمعته يومًا وقد دخل عليه البطل خالد بن لؤي - رحمة الله عليه - عقب إطفاء فتنة الدويش ؛ يقول له: (( اسمع يا خالد ، اسمعوا يا الإخوان ، أنا عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ، ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النّيل منهما ولو بشعرة ؛ الأول: كلمة التوحيد ، لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه ، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكلّ آل سعود فداءً لهذا الكلمة لا أضنّ به . والثاني: هذا الملك الذي جمع الله به شمل العرب بعد الفرقة ، وأعزّهم بعد الّذلّة ، وكثّرهم بعد القلة ، فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمي في سبيل الذود عن حوضه . وقد عودني الله - سبحانه وتعالى - من كرمه وفضله أن ينصرني على كلّ من أراد هذا الملك أو دبّر له كيدًا ؛ لأني جعلت سني ومبدأي أن لا أبدأ أحدًا بالعدوان ؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء ، وأدفع بالحسنى وما وجدت لها مكانًا ، وأتمادى في الصبر حتى يرميني البعيد و القريب بالجبن والضعف ؛ حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية ، وكانت الآية على ما عودني الله من فضله ، والحمد لله رب العالمين ) ) (3) .
وصدق عبد العزيز ، وصدق ورثته من بعده ، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فصدقهم الله تعالى وله الحمد و المنة .