فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 719

حتى أقام للمسلمين جماعتهم ، بتوحيد المملكة العربية السعودية على التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ، وتطبيق شريعته فيها .

وأورد شهادة عدل ، من قلم صدق ؛ يبيّن لنا كيف قضى عبد العزيز على الفتن ، كتب أمير البيان شكيب أرسلان تحت عنوان: هكذا - إذا توجّهت الهمم - الإصلاحات المعنوية و المادية في البلاد المقدسة ، وبعد أن وصف ما كنت تعانيه البلاد المقدسة من فتن وفوضى وفساد ، على توالي القرون و الحقب ، حتى أصبحت في اعتقاد الناس داءً عضالًا ؛ لا تنفع فيه حيلة ولا وسيلة ، وقد عمّت البلوى ، والناس لا يتزحزحون عن ها الاعتقاد ، قال ك (( إلى أن آل أمر الحجاز إلى الملك عبدالعزيز ابن سعود من بضع عشرة سنة ؛ فلم تمض سنة واحدة ، حتى انقلب الحجاز من مسبعة تزأر فيها الضواري ، في كلّ يوم ، بل في كلّ ساعة ، إلى مهد أمان وقرارة اطمئنان ؛ ينام فيها الأنام بملء الأجفان ، ولا يخشون سطوة عاد ولا غارة حاضر ولا باد ، وكأن أولئك الأعراب الذين روعّوا الحجيج مدة قرون وأحقاب لم يكونوا في الدنيا ، وكأن هاتيك الذئاب الطّلس تحولت إلى حملان ؛ فلا نهب ولا سلب ولا قتل ولا ضرب ، ولو شاءت الفتاة البكر الآن أن تذهب من مكة إلى المدينة ، أو من المدينة إلى مكة أو إلى أية جهة من المملكة العربية السعودية ؛ وهي حاملة الذهب والألماس و الياقوت و الزمرد ما تجرّأ أحد أن يسألها عمّا معها ، ما من يوم إلا وتحمل إلى دوائر الشرطة لُقطّ متعددة ، ويؤتي بضوال فقدها أصحابها في الطرق ، وأكثر من يأتي بها الأعراب أنفسهم خدمة للأمن العام ، وإبعادًا للشبهة عنهم وعن ذويهم ؛ فسبحان محوّل الأحوال ، ومقلب القلوب ، ووالله لا يوجد في هذا العصر أمن يفوق أمن الحجاز ، لا في الشرق ولا في الغرب ، ولا في أوربا ولا في أمريكا ، وقد تمنى المستر كراين الأمريكي صديق العرب الشهير في إحدى خطبه أن يكون في وطنه أمريكا الأمن الذي رآه في الحجاز و اليمن ، وكلّ من سكن أوروبة وعرف الحجاز في هذه الأيام يحكم بأن الأمنة على الأرواح و الأعراض و الأموال في البقاع المقدسة هي أكمل وأشمل وأوثق أوتادًا ، وأشدّ أطنابًا منها في الممالك الأوربية والأمريكية ؛ فأين أولئك الذين كانوا يقولون إنّ الأعراب لا يقدر على ضبطها إنسان ، وأن سكان الفيافي هم غير سائر البلدان ؛ فها هو ذا ابن سعود قد ضبطها بأجمعها في مملكته الواسعة ، ومحا أثر الغارات و الثارات بين القبائل ، وأصبح كل إنسان يقدر أن يجوب الصحارى وهو أعزل ، ويدخل أرض كل قبيلة دون أن يعترضه معترض ، أو يسأله سائل إلى أين هو غاد أو رائح ، ولو قيل لبشر: إن بلادًا كان ذلك شأنها من الفزع و الهول وسفك الدماء وقطع الطرق ، قد مرد أهلها على هذا البغي وهذا العدوان ، من سالف الأزمان ، وأنه يليها ابن سعود ، فلا تمضي على ولايته سنة واحدة ، حتى يظهّرها تطهيرًا ويملأها أمنًا وطمأنينة ، لظنّ السامع أنه يسمع أحلامًا أو خرافات ، أ اتهم القائل في صحّة عقله . ولكن هذا قد صار حقيقة كلية ، وقضية واقعية ، في وقت قصير ، وما أوجده إلاّ همةّ عالية ، وعزيمة صادقة ، وإيمان بالله ، وثقة بالنفس ، وعلم الله تعالى مؤيد من أيده ، ناصر من نصره ؛ يحثّ على العمل ويكافئ العامل ، ويكره اليأس ويقول لعباده:(ومن يقنطُ من رحمه ربه إلا الضالون ) وقد سرت بشرى الأمان الذي شمل البلاد المقدسة الحجازية ؛ فعمت أقطار الإسلام ، وأثلجت صدور أبنائه ، وارتفعت عن الحجاز معرّة تلك المعرة ؛ التي طالما وجم لها المسلمين وذلك بقوة إرادة الملك عبد العزيز بن سعود و التزامه حدود الشرع )) (1) .

امتشق عبد العزيز - رحمه الله - الحسام حتى لا تكون فتنة ؛ بدءًا باسترداد الرياض وسائر المغتصبات ، ودفاعًا عن المقدسات ؛ فلمّا أقام دولة العقيدة ، كما مرّ وصفها ، وصارت المملكة بذل أنموذج الدولة الإسلامية ، ومرتكز جماعتهم ، والقدوة الرائدة للمسلمين في تطبيق الشريعة الإسلامية ، أصبحت مواصلة القتال وسيلة لأن يتحول إلى قتال فتنة ؛ لأن كثيرًا من المسلمين - مع الأسف - واقع تأثير الاستعمار الأجنبي ؛ يوالون عدوّهم ، ويعادون أهل ملّتهم ؛ كالأكثرية من مسلمي الهند ، وغيرهم في المستعمرات البريطانية و الفرنسية و الإيطالية وغيرها ؛ وقد كان مسلمو الهند الموالين للإنجليز يطالبون الحكومة البريطانية بإخراج عبدالعزيز من الحجاز ، ويفتون بسقوط فريضة الحجّ عن المسلمين ، أو بتأجيلها ؛ لأن عبدالعزيز وليها ؛ فلو واصل عبد العزيز القتال بعد أن أقام للمسلمين جماعتهم ؛ لكان قتالًا من أجل إدخال عامة المسلمين في هذه الجماعة ، وهذا الغرض ليس موجبًا للقتال ، وليس لازمًا ؛ لا سيما إذا كانت يترتب عليه من المفاسد ما هو أعظم من المصلحة ، ولو واصل عبد العزيز القتال لذلك ، لقاتلته الدول الاستعمارية بالمسلمين أنفسهم ، ولصار القتال قتال فتنة ، ولتحوّل الجهاد إلى حرب أهليّة بين المسلمين أنفسهم ؛ لأنّ البلاء من المسلمين أنفسهم .

قال الأمير شكيب أرسلان: (( لقد أصبح الفساد إلى حدّ أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون ، وأن المسلم إذا أراد أن يخدم ملّته أو وطنه ، وقد يخشى أن يبوح بالسر من ذلك لأخيه ؛ إذ يحتمل أن يذهب هذا إلى الأجانب المحتلّين فيقدم لهم بحق أخيه الوشاية التي يرجو بها بعض الزلفى ، وقد يكون أمله بها فارغًا ؛ ولله درّ الملك ابن سعود حيث يقول: (( ما أخشى على المسلمين إلاّ من المسلمين ، ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين ) ) (1) ، وقال محمد رشيد رضا مضيافا ً إلى ما نقله شكيب أرسلان عن الملك عبد العزيز كما تقدمّ: (( وقال - أي: الملك عبدالعزيز - في محفل حافل بحجاج الأقطار - وقد طالبه مصريّ أزهريّ بمحاربة الإنكليز و الفرنسيس المعتدين على المسلمين ذاكرًا عدواتهم لهم: (( الإنكليز و الفرنسيس معذورون إذا عادونا ؛ لأنه لا يجمعنا بهم جنس ولا دين ولا لغة ولا مصلحة ولكن المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين أصبحوا أعداء أنفسهم ، وأنا والله لا أخاف الأجانب ، وإنّما أخاف المسلمين ؛ فلو حاربت الإنكليز لما حاربوني إلا بجيش من المسلمين ) ) (1) .

قال الأمير شكيب: (( وهو كلام أصاب كبد الصواب ؛ فإنه من فتح فتحه الأجانب من بلاد المسلمين إلا كان نصفه أو قسم منه على أيدي أناس من المسلمين ؛ منهم من تجسس للأجانب على قومه ومنهم من بثّ لهم الدعاية بين قومه ، ومنهم من سلّ السيف في وجه قومه ، وأسال في خدمتهم دم قومه ) ) (2) .

قلت: لذا ترك عبد العزيز مواصلة القتال حتى لا يكون قتال فتنة .

فلماّ أقام دولة العقيدة ، وصارت المملكة بذلك أنموذج الدولة الإسلامية ، و القدوة الرائدة في تطبيق الشريعة الإسلامية ترك مواصلة القتال حتى لا يكون قتال فتنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه الله: (( وكلّ ما أوجب فتنه وفرقه فليس من الدّين ؛ سواء كان قولًا أو فعلًا ، ولكن المصيب العادل عليه أن يصبر عن الفتنة ، ويصبر على جهل الجهول و ظلمه إن كان غير متأوّل ، وأما إن كان ذلك متأولًا فخطؤه مغفور له ؛ وهو فيما يصيب به من أذى بقوله أو فعله له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ؛ وذلك محنه وابتلاء في حق ذلك المظلوم ؛ فإذا صبر على ذلك ، وأتقى الله كانت العاقبة له ؛ كما قال تعالى: (( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) )"آل عمران: 120".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت