فهرس الكتاب
وإما ما يقال قديمًا وحديثًا من أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب والأئمة السعوديين خرجوا على جماعة المسلمين ( الدولة العثمانية ) فهو غير صحيح ، لأنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود ، ومن قام بمؤازرتهما من آل سعود وغيرهم ، إنما قاموا بنصرة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا غير ذلك ، ولو وجودوا من يقوم بنصرتها في ظل الدولة العباسية ؛ لا نقادوا له بالسمع والطاعة ، وقد كان الأمير عبدالعزيز بن محمد و الشيخ يناشدان الشريف بأن يقوم بنصرة دين جدّه محمد صلى الله عليه وسلم ويوقع الأمير عبد العزيز في خطابه للشريف بلقب الخادم .
ولنذكر مثالًا لذلك: ذكر الشيخ حسين بن غنّام في تاريخه في السّنة الخامسة و الثمانين بعد المائة والألف (1) أن الشيخ و عبدالعزيز أرسلا إلى والي مكة أحمد بن سعيد الشريف هدايا ؛ وكان قد كاتبهم وراسلهم وطلب منهم أن يرسلوا فقيهًا وعالمًا من جماعتهم يبين لهم حقيقة ما يدعون إليه من الدّين ويحضر عند علماء مكّة ؛ فأرسل إليه الشيخ وعبدالعزيز الشيخ عبدالعزيز الحصيّن ، وكتب معه إلى الشريف رسالة ، وهذه نسختها ؛ وهي: بسم الله الرحمن الرحيم . المعروض لديك ؛ أدام الله فضل نعمه عليك . حضره الشريف أحمد بن الشريف سعيد - أعزه الله في الدارين وأعزّ به دين جدّه سيد الثقلين - إن الكتاب لما وصل الخادم ، وتأمّل ما فيه من الكلم الحسن ؛ رفع يديه بالدعاء ِغلى الله بتأييد الشريف ؛ لما كان قصده نصر الشريفة المحمدية ومن تبعها ، وعداوة من خرج عنها ، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور ، ولما طلبتهم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر ، وهو اصل إليكم في مجلس الشريف - كتبهم وكتب الحنابلة ، و الواجب على كلّ منّا أن يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله ؛ كما قال تعالى: (( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ ) )إلى قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ) آل عمران:81 ، فإذا كان الله سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم على الإيمان ونصرته فكيف بنا يا أمته ، فلا بدّ من الإيمان به ، ولا بد من نصرته ، لا يكفي أحدهما عن الآخر ، وأحق الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذين بعثه الله منهم ، وشرفهم على أهل الأرض وأحق أهل البيت بذلك من كان ذريته صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك يعلم الشريف -أعزه الله - أن غلمانك من جملة الخدام ، ثم أنتم في حفظ الله وحسن رعايته .أ هـ .
قال ابن غنّام: (( فلما وصل إليهم عبد العزيز المذكور نزل على الشريف الملقب بالفعر ، واجتمع هو وبعض علماء مكّة عنده ، وهم: يحيى بن صالح الحنفي ، وعبد الوهاب بن حسن التركي ، مفتي السلطان ، وعبدالغني بن هلال ، وتفاوضوا في ثلاث مسائل ، وقعت المناظرة فيها ؛ الأولى: ما نسب إلينا من التكفير بالعموم ، والثانية: هدم القباب التي على القبور . و الثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشفاعة ؛ فذكر لهم الشيخ عبدالعزيز أن نسبة التّكفير بالعموم إلينا زور وبهتان علينا . وأما هدم القباب فهو الحق و الصواب ؛ كما هو مسطور في غير كتاب ، وليس لدى العلماء فيه شكّ ولا ارتياب . وأما دعوة الصالحين وطلب الشفاعة منهم والاستغاثة بهم في النوازل فقد نص عليه الأئمة الفواضل ، وقرروا أنه من الشرك الذي فعله الأوائل ، ولا يجادل في جوازه إلا كل ملحد جاهر ؛ فأحضروا من كتب الحنابلة الإقناع ؛ فرأوا عبارته في الوسائط وحكايته الإجماع ، فصار لهم بتلك العبارة اقتناع ، ولهم إلى الإقرار إسراع ، وتفوّهوا بأن هذه دين الله وانتشر فيما بينهم وشاع ، وقالوا هذا مذهب الإمام المعظّم ، وانصرف عنهم عبدالعزيز مبجّلًا مكرّم( هكذا ) ))أهـ .
ولكن الشريف غالب بن مساعد مع أخيه عبد العزيز وأعوانهما استكبروا ، واستنكفوا من أن تشرق دعوة التوحيد من نجد ، وعلى أيدي آل سعود فسيروا العساكر و الجموع من مكة إلى نجد لمحاربة أهل التوحيد وقتالهم ، وأتخذوا اشدّ التدابير العدائية ضد دعوة التوحيد ؛ التي دعا إليها جدّهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبدّعوا أهلها وسّموهم الخوارج ظلمًا وبهتانًا ، بل كفّروهم ، ومنعوهم من الحج (1) .
وهم الجماعة ، المتمسّكون بالكتاب والسنة ، والتّمسّك بالكتاب و السنة هو أساس الجماعة ، الذي وفق الله آل سعود للأخذ به ؛ فاجتمعت عليهم العرب ؛ وهو الأساس الذي أخذ به عبدالعزيز ويأخذ به أبناؤه من بعده ؛ فنجحت به جهودهم في تحقيق المراد الشرعي بالجماعة ؛ وهو: تأسيس وإقامة وبناء وإعمار المملكة العربية السعودية ، وذلك ما سنتحدث عنه فيما يأتي .
5- ( المملكة العربية السعودية ) تحقيق واقعي للمراد الشرعي بالجماعة
لقد أضاء التاريخ السعودي بالملك عبدالعزيز ، وعاد الله بعائدته الكريمة على أهل الإسلام ، وعلى أهل السنة و الجماعة ، في أرض الحرمين وما جاورهما ، منذ أن استردّ عبدالعزيز عام 1319هـ رياض التوحيد ؛ أرضه وأرض آبائه وأجداده ؛ أنصار توحيد الله عزّ وجلّ ؛ فقام لله تعالى إمامًا راشدًا ، وسلطانًا نصيرًا للدّين ؛ يسير على منهج سلفه الصّالح ؛ من أهل السنة و الجماعة ؛ في العمل على توحيد كلمة المسلمين ، وتوثيق تضامنهم وتعاونهم على البرّ و التقوى ، والأخذ بأسباب حياتهم السعيدة ، ومصالحهم الأكيدة في الدنيا و الدّين ؛ مع المحافظة على صفاء العقيدة الإسلامية ، وتنقيتها من شوائب الشّرك و البدع و الخرافة و الوهم ، وسائر المعوقّات الجاهلية ؛ حتى وصل بالمملكة العربية السعودية على هذا المنهج القويم إلى مرسى الأمن و الإيمان ؛ و لله الحمد و المنّة .
كيف قضى عبدالعزيز على إرهاب الفتن ؟:
حين غاب آل سعود عن الحكم غيابهم المؤقت ، عمت الفتنة بلاد المسلمين ، واشتدت فرقتهم ، ولم يعد لهم جماعة ، خصوصًا بعد ما استجاب الأتراك العثمانيون ليهود الدّونمة ، ومخطّطات الصهيونية ، ومكائد الماسونية ، وإلحاد أوروبا ، فأعلنوا تخلّيهم عن مسمّى الإسلام على مستوى الدولة ؛ بعد أن كانوا قد تخلّوا عن حقيقته و الحكم به ، وأعلنوا أنّ دولتهم علمانية ، وزعموا أنهم ألغوا الخلافة الإسلامية ، على يد زعيمهم أتاتورك ، وصار أهل الشر يحاربون أهل الإسلام الخالص ، أهل التوحيد و السنة ، حربًا شديدة لا هوادة فيها ، أحاطت بالمسلمين من كلّ جانب ، يسيّرون عليهم قوات البغي و الطغيان ، من جهة الحجاز و اليمن ، ومن جهة الشّام ، ومن جهة القطيف و الأحساء ؛ للقضاء على صفوة المسلمين ، و القضاء على عقيدتهم الإسلامية الصحيحة ، حاصروا أهل التوحيد من كلّ الجهات ، وأرادوا القضاء عليهم باسم الإسلام ، والإسلام منهم براء (1) .
وأصبحت الفتنة عامة طامّة ، بفقد الجماعة ، بالمفهوم المراد شرعًا ، وهو جماعة المسلمين ؛ الذين اجتمعوا على إمام بايعوه بالإمارة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، و السمع و الطاعة بالمعروف في المنشط و الكره ؛ حسب القدرة والاستطاعة ؛ إذ لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بسمع وطاعة ؛ لذا امتشق عبد العزيز - رحمه الله - الحسام ، حتى لا تكون فتنة ؛ بدءًا باسترداد الرياض وسائر المغتصبات ، ودفاعًا عن المقدّسات .
فجئت بالسيف و القرآن معتزمًا تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن
حتى انجلى الظّلم والإظلام وارتفعت للدّين في الأرض أعلام وأركان (1)