فهرس الكتاب
وقال أيضًا: (( من تمام الاجتماع السّمع و الطاعة لمن تأمّر علينا ، ولو كان عبدًا حبشيًا ؛ فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانًا شائعًا ذائعًا ؛ بوجوه من أنواع البيان شرعًا وقدرًا ، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدّعي العلم ، فكيف العمل به ) ) (3) ، وقال بلسان العامّة: (( وبعد يجيئنا من العلوم ، أنه يقع بين أهل الدّين والأمير بعض الحرشة( تحرشات ) وهذا شيء ما يستقيم عليه دين ، و الدّين هو الحبّ في الله و البغض فيه ، فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدّين ، صار بطانته أهل الشر ، وأهل الدّين عليهم جمع الناس على أميرهم ، والتغاضي عن زلّته ، وهذا أمر لابدّ منه من أهل الدّين ، يتغاضون عن أميرهم ، وكذلك الأمير يتغاضى عنهم ، ويجعلهم مشورته وأهل مجلسه ، ولا يسمع فيهم كلام العدوان ، وترى الكلّ من أهل الدّين والأمير ، وما يعبد الله أحد منهم إلاّ برفيقه ، فأنتم توكلّوا على الله ، واستعينوا بالله على الائتلاف والمحبة واجتماع الكلمة ،
فإنّ العدو يفرح إذا رأى أن الكلّ ناقل (1) على رفيقه،و السبب: يرجو عود الباطل )) (2)
وكان هذا المعنى قد فقهه الأئمة من آل سعود ، فقد سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: (( هل تصحّ الإمامة في غير قريش ) )؟ ، فأجاب: (( الذي عليه أكثر العلماء ، أنها لا تصح في غير قريش إذا أمكن ذلك ، وأما إذا لم يمكم ذلك واتفقت الأمة على مبايعة الإمام ، أو أتفق أهل الحّل و العقد عليه ، صحّت إمامته ووجبت مبايعته ، ولم يصحّ الخروج عليه ، وهذا هو الصّحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بالسمع و الطاعة ، وإن تأمّر عليكم عبد حبشيّ . . . ) ) (3) .
وهذا هو سر اجتماع العرب على إمامة آل سعود من أوّل أمرهم ، منذ أحسن الأمير الراشد محمد ابن سعود استقبال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وقد أخرج من العيينة ، وجاء إلى الدّرعيّة غير مرغوب فيه ، ومشى الأمير إليه برجله ، مخالفًا ما تقتضيه سياسة الإمارة ، لكنه آثر إحياء السنّة السلفية و السياسة الشرعية ، في تعظيم العلماء لوجه الله تعالى ، فأحيا الله قلبه وشرح صدره لدعوة الشيخ ، وقال له: (( أبشر ببلاد خير من بلادك ، وأبشر بالعزّ و المنعة ) )فثّبت الله إمارته ، وأرسى له ولأولاده من بعده ، دعائم الإمامة و الملك ، وجمع قلوب العرب و المسلمين بكلمة التوحيد عليهم - وأجابه الشيخ وهو في حال مهاجر مستضعف ، لا يملك من الدنيا شيئًا ، بقوله: وأنا أبشّرك بالعزّ و التمكين ، وهذه كلمة: لا إله إلا الله من تمسك بها وعمل بها ونصرها ، ملك بها البلاد و العباد ، وهي كلمة التوحيد ، وأوّل ما دعت إليه الرّسل من أولهم إلى آخرهم ، وأنت ترى نجدًا وأقطارها ، أطبقت على الشّرك و الجهل و الفرقة وقتال بعضهم لبعض ، فارجو أن تكون إمامًا يجتمع عليه المسلمين ، وذريتك من بعدك )) (4) ، فقال له الأمير الراشد: (( يا شيخ ! إنّ هذا دين الله ورسوله ؛ الذي لا شكّ فيسه ، وأبشر بالنّصرة لك ، ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد ) ) (1) .
وإنّ من يتأمّل مواقف الأمير الإمام محمد بن سعود ، تدلّه دلالة قاطعة على رجاحة عقله ، وبُعد نظره ، وصدقه في نصرة الإسلام ، وقوّة إيمانه ، وتوكّله على الله بفضله قد اختاره وأولاده لنصرة هذا الدّين ، والإمامة فيه ، و التفاف الجماعة عليه ، فكم ناوأه الأمراء و الملوك ، وجيوش الأعداء الكثيرة و تكالبوا عليه بعد إيوائه الشيخ ونصرته دعوته ، ورموه من قوس واحدة من قريب وبعيد ، فصبر على الجهاد في سبيل الله وبذل نفسه وإمارته وأولاده ، وقُتل من قُتل من أولاده ورجاله ، ولا يزال صابرًا ، وفاءً بالعهد ، وإيمانًا واحتسابًا لما عند الله من الدّار الآخرة ، خلافًا لما يشيعه أعداء العقيدة الإسلامية ؛ كذبًا وزورًا ؛ من ضعيف الشخصية ، وأنه لا يتّخذ القرار الحاسم بنفسه ، أو أنه ذو أطماع سياسيّة ، يريد الملك والاستيلاء و السيطرة ؛ كما هو شأن أمراء العرب في عهده ؛ ولكنّ الحقيقة أنه أمير راشد ، وإمام فذّ ، ذو شخصية قوية بالله ، ورأي مستقلّ ، يتمتع بمواهب سياسية وإدارية فائقة متميزة .
ونعود إلى قصة ذلك اللقاء المبارك بين الشيخ والأمير ؛ فنقول لّما تمّ ذلك الوفاق التاريخي القدريّ ، بين العالم الرباني والأمير الراشد على نصرة التوحيد ، اكتمل عقد القوة العلمية و العملية لجماعة المسلمين ، وقامت الدولة السعودية الأولى على ذلك ، بإمامة الأمير الراشد محمد بن سعود ، وجدّ واجتهد في القيام بنصرة التوحيد و القضاء على الشرك و البدع و الخرافات ، و السير على منهج أهل السنة و الجماعة حتى توفاه الله تعالى سنة 1179هـ - رحمه الله تعالى .
وقد تولى الإمامة بعد وفاته ابنه الإمام عبدالعزيز ، وكان أشهر من أبيه ؛ فقد استتبّ له الأمر تسعة وثلاثين عامًا ، وأدخل جميع نجد في طاعته ، والأحساء و القطيف وعمان و الحرمين الشريفين بقيادة ابنه سعود ، ووصلت غزواته مشارف الشام ، وكربلاء في العراق ، واليمن ، وكان عالمًا عادلًا ورعًا ، وشجاعًا مقدامًا ، قتله رافضّي من أهل النجف في العراق ، جاء متنكرًا باسم عثمان ، بدسيسة من والي بغداد ، قتله غدرًا وهو قائم يصلّي العصر بالناس ، في مسجد الطّريف في الدرعية ، سنة 1218هـ - رحمة الله عليه (1) .
وبويع بالإمامة ابنه سعود ؛ وكان قائدًا عظيمًا ، وعالمًا جليلًا ، ذكيًا يحسن الخطّ و القراءة ، فصيحًا إذا تكلّم أنصت له الكلّ ، وفارسًا مغوارًا وحاكمًا عادلًا ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، تولى ملك أهل السنة و الجماعة ، وجنّد جنودًا تزيد على أربعمائة ألف ما بين فارس وراجل ، حتى خضعت له جميع أنحاء الجزيرة العربية ، واستتب الأمن في جميع ربوعها ، وحاول مناهضة ملوك الدنيا في سبيل إعلاء كلمة الله ، وإخضاع ممالكها للسنة و الجماعة وبارزته السلطنة العثمانية بالعداء و القتال ، وجيّشت الجيوش الكثيرة ضدّه فهزمها هزيمة شنيعة ، وكان مدّة حياته لم تُهزم له راية ، وعليه من الأبهة والهيبة و الجلال ما يبهر العقول ، ثم توفي - رحمه الله - سنة 1229هـ وكانت ولايته إحدى عشرة سنة (2) .
ثم خلف الإمام سعود ابنُه الإمام عبدالله ، (( فسار سيرة والده ، إلاّ أن إخوته لا يوافقونه على إرادته ، وكان لا يخالفهم ، ونازعه أخوه فيصل بن سعود ؛ فكان يأمر ، فتفرّقت كلمتهم ، وضعفت شوكتهم ، ونفر منهم فئام من العرب ، واتّسع الخرق في قوّتهم فحاربتهم الدول المصرية وانحاز إلى المصريين أكثر العرب من نجد و الحجاز و اليمن و العراق و الشام ) ) (3) .
ثم عاد الله بعائدته ، فكشف الله المحن بالإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود ، وأقام الجماعة ، واستقاموا له بالسمع و الطاعة ، ثم لابنه فيصل من بعده ، ثم بعد وفاة الإمام فيصل حصل اختلاف بين أبناء فيصل أخرج الأمر من أيديهم ، ثم عاد الله بعائدته على المسلمين بالإمام الملك عبدالعزيز على ما سنبينّه فيما يأتي - إن شاء الله تعالى .