فهرس الكتاب
حيث لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بسمع وطاعة وهذه الثلاثة متلازمة ، آخذ بعضها ببعض ، لا قيام للإسلام إلا بهذه الثلاثة (2) ، ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وإمامهم ، والسمع و الطاعة للأمير ، وإن ضرب الظّهر وأخذ المال ، أمرًا يدل على الوجوب ,نهى عن الخروج على الجماعة ومفارقتها ، نهيًا يدلّ على التحريم ، وقد بوبّ الإمام النووي لأحاديث صحيحة وردت في صحيح مسلم ، تدلّ على هذه دلالة قاطعة ، فقال: (( باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، وفي كلّ حال ، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة ) ) (1) كما وردت أدلة أخرى تفيد العلم اليقيني بهذا الحكم و السنة والإجماع والاعتبار ، وحيث لا يمكن القيام بفعل هذا الواجب ، وترك هذا المحرم إلا بتعيين الجماعة ن ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
إذًا: فلا بد من تعيين الجماعة ومعرفتها ، ليتحقق القيام بواجب لزومها ، ولزوم إمامها ، والاقتداء بها والاعتصام بذلك من تركها وفراقها المحرّم .
قيل لعبدالله بن المبارك: (( من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم ) )؟ قال:
(( أبو بكر وعمر ) )- فلم يزل يحسب حتى إلى محمد بن ثابت و الحسين بن واقد- فقيل: (( هؤلاء ماتوا: فمن الأحياء ؟ ، قال:"أبو حمزة السكري"(2) ، وعن إسحاق بن راهويه نحو ممّا قال ابن المبارك" (3) ، ومحمد بن ثابت ، والحسين ابن واقد ، وأبو حمزة السكري ، كلّ منهم فرد معين بأنه الجماعة في زمانه ، وليسوا من المبشرين بالجنة ، لكن يتقدى بهم ، وتوفر مفهوم الجماعة في كلّ واحد منهم بعينه ، فعين الإمام ابن المبارك كلّ واحد منهم بصفة الجماعة ، التي يقتدى بها كلّ في زمانه ، ممّا يدل على أنه لابدّ من تعيين الجماعة في كلّ عر ، ليتسنى لزومها وعدم مفارقتها ، ولذا لم يعترض أحد من الأئمة على هذا التعيين ، لأنه لابدّ منه ، فبدونه كيف تُعرف الجماعة ؟ وكيف يؤدى الواجب من ملازمتها ، ويُجتنب الحرام من مفارقتها ، و الخروج على طاعة إمامها ؟ إنه بدون تعيين الجماعة ، ينطلق المسلمين و الدّعاة وضلالة وإرهاب ، كما هو رأي الخوارج ومسلكهم ."
إذًا: فتعيين الجماعة من ضروريات الدين ، ومن أصول العقيدة .
وحيث لابد من إتمامه ببيان استمرار وجودها في كلّ جيل ، فإلى ذلك في المبحث الآتي:
استمرار وجود الجماعة في كلّ جيل:
حيث إن الله تعالى - وله الحمد و الشكر- لم يُخلِ الأرض ولن يخليها من قائم له بحجتّه ، وداع إليه على بصير' ، لكي لا تبطل حجج الله وبيّناته التي أنزلها على أنبيائه ورسله ، قضى باستمرار وجود الفرقة الناجية ، الذين هم الجماعة ، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) )، في كلّ جيل وزمان ، إذا مضى جيل ورثه جيل من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
كما في حديث حذيفة فيما أخرجه البخاري ومسلم ، في صحيحيهما ، عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن يدركني ) )الذي تقدم ذكره ، ففيه دلالة على استمرار وجود الجماعة وإمامهم ، رغم غلبة الشر ، أي أنه يدل على استمرار وجود الجماعة باستمرار وجود المسلمين ، وإن تفرقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة ، فترقهم لا يعني عدم الجماعة الواحدة المستثناة من التفرق والأهواء و الوعيد بالنار ، كما روى البخاري من حديث معاوية- رضى الله عنه - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) ) (1) ، وفي رواية مسلم عن ثوبان (( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعالى ) ).
نعم: إنه بفضل الله ورحمته لا تزال هذه الجماعة باقية على قيام الساعة ليقوم بهم الدّين ، كما روى مسلم في صحيحه: (( لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة ) ) (2) . فلله الحمد و المنّة .
وقد قّيض الله لدين محمد صلى الله عليه وسلم ، من يبعثه على رأس كلّ مائة سنة ، مجددًّا لما اندرس من معالم الدّين ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها ) ) (3) .
قال الشيخ ابن باز: (( لهذا الحديث إسناده جيد ، ورجاله كلّهم ثقات ، وقد صحّحه الحاكم و الحافظ العراقي ، والعلامة السخاوي وآخرون ) ) (4)
ومعنى تجيد الدّين هو: أن الدّين يَخْلَق في النفوس ، وينُسى في القلوب ، ويندرس في مجتمعات الناس ، فيأتي من يدعوهم إلى العودة إلى أصول دينهم ، بما يظهر ويبيّن لهم معالم الدّين التي نسوها ، والسنّن التي أماتوها في نفوسهم ، فإذا أراد الله بهم خيرًا قبلوا دعوته ، ونصروها وعملوا بها ، ففي المستدرك للحاكم ، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنّ الإيمان لخلق في جوف أحدكم ، كما يَخلق الثوب الخِلَق ، فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم ) )قال الحاكم: حديث لم يُخرّج في الصحيحين رواته مصريّون ثقاة ، وأقرّه الذهبي في التّلخيص (3) ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ، في باب تجيد الإيمان (4) و الطبراني في الكبير عن عبدالله بن الخطاب ، قال العراقي في أماليه: (( حديث حسن من طريقيه ) ) (5) ، فليس معنى تجديد الدّين ، أن يُؤتى بدين جديد ، فإنّ الدّين عند الله هو الإسلام ، الذي أنزل الله فيه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يوم عرفة في حجّة الوداع قاله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) )"المائدة: 3"فقد أكمله وأتمّ به نعمته ، فلا يزيده ولا ينقصه أبدًا ، ورضيه فلا يسخطه أبدًا .
إذًا: هذه الجماعة لا يزال وجودها مستمرًا ، ما وُجد المسلمون ، وإن تفرّقوا إلى فرق؛ إلى قيام الساعة ؛ أي: ساعة المؤمنين ، بقبض أرواحهم ، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، لاتجتمع على ضلالة ، فلا تجتمع على التفرقّ في الأهواء الشركيّة أو البدعيّة ، بل لا بد أن تكون منها جماعة على التوحيد و السنة ، كلما مضت ، خلفتها جماعة أخرى على هذا المنهج الحقّ ، إلى قيام الساعة ، كما تقدم إيضاحه.
وكانت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جهود علميّة ، في ترسيخ مفهوم الجماعة ، فمن ذلك قوله (1) : (( اختلفوا في الجماعة و الافتراق ، فذهب الصحابة ومن معهم إلى وجوبها ، وأنّ الإسلام لا يتم إلا بها ، وذهبت الخوارج ومن معهم إلى الأخرى وإنكار الجماعة ، ففصل الكتاب بينهم ، بقوله تعالى: (( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) )الآية ) ،"آل عمران:103"، وقال أيضًا: (( الأئمة مجمعون- من كل مذهب - على أنّ من تغلب على بلد أو بلدان ، له حكم الإمام في جميع الأشياء ، ولولا هذا ما استقامت الدنيا ، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ، ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أنّ شيئا من الأحكام لا يصحّ إلاّ بالإمام الأعظم ) ) (2) .