فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 719

وننقل توضيحًا لشيخ الإسلام ابن تيميّة لهذه المسألة ، لأهميته ، في معرض تفنيده قول الرّافضي في عمر رضى الله عنه أنه (( أمر بقتل من خالف الأربعة ، وأمر بقتل من خالف الثلاثة منهم:عبد الرحمن ) )، قال: فيقال: هذا من الكذب المفترى ، ولو قدّر أنه فعل ذلك ، لم يكن عمر قد خالف الدّين ، بل يكون قد أمر بقتل من يقصد الفتنة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من جاءكم وأمركم على رجل واحد ، يريد أن يفرّق جماعتكم ، فاضربوا عنقه بالسيف ، كائنًا من كان ) ) (5) و المعروف عن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقتل من أراد أن ينفرد عن المسلمين ببيعة بلا مشاورة لأجل هذا الحديث ، وأمّا قتل الواحد المتخلف عن البيعة إذا لم تقم فتنة ، فلم يأمر عمر بقتل مثل هذا ، ولا يجوز قتل مثل هذا )) (6) .

وقال شارح العقيدة الطحاوية (7) : (( وقد ساق البخاري(8) - رحمه الله - قصة قتل عمر رضى الله عنه وأمر الشورى و المبايعة لعثمان في صحيحة ، فأحببت أن أسردها كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون ))فسردها ، وفيها أن عمر قال: (( ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرّهط . . . فسمّى عليًا وعثمان و الزبير و طلحة وسعدًا وعبد الرحمن ، يشهدكم عبدالله بن عمر ، وليس له من الأمر شيء ، كهيئة التّعزية له ، فإن أصابت الإمرة سعدًا فذاك ، وإلاّ فليستعن به أيكم ما أمر ، فإنّي لم أعزله من عجز ولا خيانة ) )إلى قوله: (( فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال: عبد الرحمن بن عوف: اجمعوا أمركم إلى ثلاثة منكم ، قال الزبير: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن ، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه ، والله عليه والإسلام لينظرنّ أفضلكم في نفسه ، فأسكت الشيخان ، فقال ، عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ ، والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم ؟ قالا: نعم ، فأخذ بيد أحدهما ، فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقدم في الإسلام ما قد علمت ، فبالله عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ ؟ ولئن أمّرت عليك لتسمعنّ ولتطيعن ّ ؟ ثم خلا بالآخر ، فقال: له مثل ذلك ، فلمّا أخذ الميثاق ، قال: ارفع يدك يا عثمان ، فبايعه ، وبايع له عليّ ، وولج أهل الدّار ، فبايعوه ) ).

وذكر شارح الطحاوية رواية البخاري الأخرى (1) عن حميد بن عبد الرحمن عن المسور بن مخرمة ، وفيها قوله: (( فلمّا ولّوا عبدالرحمن أمرهم مال الناس إلى عبد الرحمن ، حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ) ).

وفيها أن عبد الرحمن قال: (( أمّا بعد ، يا عليّ إنّي قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا ) ).

قال في فتح الباري: (( ويؤخذ منه بطلان قول الرافضة وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن الإمامة في أشخاص بأعيانهم . . . ففي رضا الجميع بما أمرهم به ، دليل على أن الذي كان عندهم من العهد في الإمامة أوصاف ، من وجدت فيه استحقها ، وإدراكها يقع بالاجتهاد ، وفيه أن الجماعة الموثوق بديانتهم ، إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور و الاجتهاد ، لم يكن لغيرهم أن يحلّ ذلك العقد ، إذ لو كان العقد لا يصحّ إلا باجتماع الجميع ، لقال قائل: لا معنى لتخصيص هؤلاء السنة ، فلما لم يعترض منهم معترض ، بل رضوا وبايعوا ، دلّ ذلك على صحّة ما قلناه ) ) (2) ، وذكر ابن العربي المالكي بأنه: (( لو عقده بعضهم لجاز ، ولم يحلّ لأحد أن يعارض ) ) (3) .

وذكر ابن حجر من زيادة المدايني أن عمر: (( قال لأبي طلحة: إنّ الله قد نصر بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلًا من الأنصار ، واستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلًا منهم ) ) (1) .

وذكر ذلك السيوطي عن أنس قال: (( أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة ، فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى ، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت ، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدًا يدخل عليهم،ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم ) ) (2) . وقال ابن حجر: (( وفيه أن الشركاء في الشيء إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الأمور ، يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم ، بعد أن يخرج نفسه من ذلك الأمر ) ) (3) ، وقال ابن المنيّر: (( في الحديث دليل على أن الوكيل المفوّض له أن يوكّل وإن لم ينصّ له على ذلك ، لأنّ الخمسة أسندوا الأمر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقلّ ، مع أن عمر لم ينصّ لهم على الانفراد ) ) (4) .

ففي القصة نرى أن عمر رضى الله عنه بيّن مفهوم الجماعة و معناه ، والتزمت الأمة به ، حتى صار عبد الرحمن وحده هو الجماعة ، فقال لعليّ: (فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا ) ) قال ابن حجز: (( أي من الملامة إذا لم توافق الجماعة ) ) (5) ، وبيان عمر رضى الله عنه لمفهوم الجماعة ومعناها - وهو الخليفة الراشد ، الذي أمرنا بالاقتداء به ، كما في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر ) )رواه أهل السّنن (6) - يفيد العلم الضروري والاعتقاد الصحيح ، بأنه المراد شرعًا بالجماعة ، كما قرّره الإمام الطبري .

ونذكر موقفًا لعبدالله بن عمر - رضى الله عنهما - يؤكد معنى الجماعة المراد شرعًا ، الذي بيّنه عمر رضى الله عنه وقرّره ابن جرير الطبري - رحمه الله - فيما رواه مسلم عن نافع . قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبدالله بن مطيع ( بن الأسود العدويّ القرشي ) حين كان من أمر الحرّة ماكان ، زمن يزيد بن معاوية ، فقال: اطرحوا لأبي عبدالرحمن وسادة ، فقال: إني لم آتك لأجلس ، أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقوم: (( من خلع يدًا من طاعة ، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتة جاهلية ) ) (1) .

وعبدالله بن مطيع كان ممّن خلع يزيد وخرج عليه ، وكان يوم الحرّة قائد قريش ، كما كان قائد الأنصار عبد الله بن حنظلة الأنصاري ، إذ خرج أهل المدينة لقتال الجيش الذي بعثه يزيد لقتالهم وأخذ البيعة له ، فظفر أهل الشام بأهل المدينة ، وكان ما كان من أمر الحرة ، من الفتن و المفاسد ، بسبب خلعهم أيديهم من طاعة يزيد وعدم بيعتهم له ، وقد انعقدت له الإمامة ، بوصية الإمام قبله أمير المؤمنين معاوية ، وبايعه من بايعه لذلك ، وأصبح الذين في طاعته هم الجماعة .

هذا هو ما قرّره الإمام ابن جرير الطبري فيما تقدم من قوله: (( فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمّى المنفرد عنها مفارقًا لها ، نظير الجماعة التي أوج عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه ، وأمر صهيبًا بضرب راش المنفرد عنهم بالسيف ، فهم في معنى العدد المجتمع على بيعته وقلّة العدد المنفرد عنهم ) ). ومن أجل أن يتّضح المراد الشرعي بالجماعة ممّا تقدمّ ، بقي أن نبيّن ضرورة تعيين الجماعة ، فإلى ذلك في المبحث الآتي:

ضرورة تعيين الجماعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت