فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 719

ففي هذا الحديث الشريف: الخبر الصادق بحدوث دعاة كثيرين كثرة غلبت على عصرهم ، حتى وصف بالشّر بعد الخير ، تبعًا للغالب ، في قوله: وهل بعد ذلك الخير من شرّ ؟ قال نعم: دعاة على أبواب جهنّم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها . قال حذيفة: قلت يا رسول الله: صفهم لنا . قال: هم من جلدتنا ، ويتكلّمون بألسنتنا ، فهم يتلبّسون بمظهر الإسلام ، ويدعون إليه وإلى الجماعة الإسلامية ، حتى إن من صفتهم أنهم أناس من جلدتنا ، أي: ينتمون إلى نسبنا من العرب ، ويتكلّمون بألسنتنا العربية والإسلامية ، ولكنّهم - في الحقيقة - دعاة إلى ترك الجماعة ، دعاة هو لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فلزوم ما عليه جماعة المسلمين وإمامهم ، ولو كان الملتزم وحده منفردًا باعتزاله تلك الفرق ، ولو أن يعضّ على أصل شجرة ، من شدّة الغربة ، حتى يدركه الموت وهو على ذلك المنهج ، لأنه منهج الجماعة وإمامهم .

وفي الحديث قوله: (( قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) ) (1) يعني: فإنّك باعتزال تلك الفرق ، حيث لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، تكون أنت على ما كانت عليه الجماعة ، وإن كنت وحدك ، قال ميمون بن مهران: قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( الجماعة ما وافق الحقّ وإن كنت وحدك ) ).

وقال نعيم بن حمّاد: (( إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك ، فإنّك أنت الجماعة حينئذ ) )ذكره البيهقي وغيره (2) .

إذًا المراد الشرعي بالجماعة: هم القوم المجتمعون على الاستمساك بالكتاب و السنة ، الذين يؤثرون كلام الله تعالى ، على كلام كلّ أحد ، ويقدّمون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هدي كل أحد ، فالتّمسك بالكتاب و السنة ، وعقد الاجتماع و العهد على ذلك ، و الوفاء به وعدم نقضه ، يفيد الاجتماع والائتلاف ، واكتمال القوّة واستحكامها ، فلا تتناقض ، فالجماعة هنا هم المجتمعون على الحقّ ، وإن كانوا قليلا ، وكان المخالف لهم كثيرًا ، فإنّ يد الله معهم ، لأنّ الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل من بعدهم .

قال ابن جرير الطّبري: (( و الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة ) ) (1) ، وذكره الإمام الشّاطبيّ ، في كتابه الاعتصام (2) عن الإمام ابن جرير الطّبري أنه قال: (( الجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير ) )، قال: (( فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه ، ونهى عن فراقه ، فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم ، لأنّ فراقهم لا يعدو إحدى حالتين: إما للنّكير عليهم في طاعة أميرهم ، والطّعن عليه في سيرته المرضيّة لغير موجب ، بل بالتّأويل في إحداث بدعة في الدّين ، كالحروريّة التي أمرت الأمة بقتالها ، وسّماها النبي صلى الله عليه وسلم مارقة من الدين . وإمّا لطلب إمارة من انعقاد البيعة لأمير الجماعة ، فإنّه نكث عهد ، ونقض عهد بعد وجوبه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: من: (( من جاء أمتي ليفرقّ جماعتهم فاضربوا عنقه كائنًا من كان ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا بويع لخليفتين ، فاقتلوا الآخر منهما ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( من أتاكم ، وأمركم جميع على رجل واحد ، يريد أن يشقّ عصاكم ، أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه ) )، وفي رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنّه ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمة ، وهي جميع ، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان ) )، وفي رواية: (( فاقتلوه ) ) (3) .

وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) ) (4) . قال الطّبري: (( فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة . . . وقد بيّن ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فروى عن عمرو بن ميمون الأودىّ قال: قال عمر:- حين طعن لصهيب - صلّ بالناس ثلاثًا ، وليدخل علَيّ عثمان وعليّ وطلحة و الزبير وسعد و عبدالرحمن ، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من الأمر شيء ، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف ، فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف ، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رؤوسهما حتى يستوثقوا على رجل ، قال: فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقًا لها ، نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه ، وأمر صهيبًا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف ، فهم في معنى العدد المجتمع على بيعته وقلّة العدد المنفرد عنهم .

قال: وأمّا معنى الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمّة على ضلالة فمعناه أن لا يجمعهم على إضلال الحقّ فيما أنابهم من أمر دينهم حتى يضلّ جميعهم عن العلم ويخطئوه ، وذلك لا يكون في الأمة اهـ (1) .

قال الشّاطبيّ: (( هذا تمام كلامه - يعني: الطبري - وهو منقول بالمعنى وتَحَرّ في أكثر اللفظ ، وحاصله أنّ الجماعة راجعه إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب و السنة ، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنّة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة ، الخوارج ومن جرى مجراهم ) ) (2) .

وهذا الأثر عن عمر الذي فيه ، أنه قال: (( فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف ) )الخ ، رواه الطبريّ في تاريخ الأمم و الملوك (3) ، ورواه غيره بألفاظ أخرى صحيحة الإسناد ، تدلّ على ما أراده الطّبري ، من الاستدلال بهذا الخبر ، لما قرّره من الأصح لمعنى الجماعة ، منها:

رواية ابن سعد بسنده عن سالم بن عبدالله ، أنّ عبدالله بن عمر ، وذكر قصّة قتل عمر ، وفيها أنّ عمر قال أمهلوا ، فإنّ حدث بي حدث (( فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ، ثم أجمعوا أمركم ، فمن تأمّر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه ) )، وصححّ إسنادها الحافظ ابن حجز في موضعين من الفتح (4) ، ورواية ابن سعد الأخرى بسنده عن عمرو بن ميمون ، وفيها قول عمر لصهيب: (( وصلّ بالناس ثلًاثًا ، وليخل هؤلاء القوم في بيت ، فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه ) )، وكلتاهما رواهما ابن سعد في الطّبقات (1) ورواها الحارث في مسنده عن يحيى بن أبي بكثير (2) ثنا إسرائيل ، وروى نحوها ابن أبي شيبة عن وكيع عن إسرائيل (3) وذكر الحافظ ابن حجز هذا الأثر في الفتح ، وأنّ لهذا الرّواية شاهدًا من حديث ابن عمر ، قال: (( أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح ) )، كما ذكر أيضًا ما يختصّ برواية جويرية بن أسماء بن عبيد لخبر قتل عمر رضى الله عنه ، وفيه قول عمر: (( ويبتع الأقل الأكثر ، تأمّر من غير أن يؤمّر فاقتلوه ) ) (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت