لذا فإن نظام الحكم في هذه الدول لا يتغير من ناحية الشكل والمضمون.
رئيس دولة"مدى الحياة", بيده كل السلطات والصلاحيات. وهو فوق القانون لأنه هو الذي يصنعه. وفوق الدستور لأنه يطبق منه ما ينفعه. ويعدّل ويبدّل من مواده ما شاء أن يتجرعه.
والاستفتاء جاهز, ونسبة ال90 % مضمونة.
فإذا كان الملك أو الرئيس في الأردن أو مصر أو الجزائر أو اليمن أو أي دولة من جميع الدول العربية والإسلامية - إلا ماليزيا - يملك صلاحية حل المجالس النيابية وإقالة الحكومة في أي وقت شاء.
فمثلاُ ينص الدستور الأردني على مايلي: (المادة 34: 1/ الملك هو الذي يصدر الأوامر بإجراء الانتخابات لمجلس النواب وفق أحكام القانون. 2/ الملك يدعو مجلس الأمة إلى الاجتماع ويفتتحه ويؤجله ويفضه وفق أحكام الدستور. 3/ للملك أن يحل مجلس النواب. 4/ للملك أن يحل مجلس الأعيان أو يُعفي أحد أعضائه من العضوية) .
وهذا لا يقتصر على الملوك فقط بل على الرؤساء في الدول العربية قاطبة, ويضاف إليه أنه هو الذي يعيّن المحافظين أو الولاة أو حكام المقاطعات, ومن ثم فجميع الإدارات الأمنية والسياسية فيها تدين له بالولاء التام.
وهو الذي يعيّن رئيس المحكمة الدستورية العليا, فهو يدين له بالطاعة. أي أن السلطة القضائية رهن إشارته: سنًّا للقوانين وإصدارًا للأحكام.
وفي"باكستان"يملك صلاحية مد فترة خدمة قضاة المحاكم العليا لثلاث سنوات أخرى عند بلوغهم سن التقاعد فالكل يخطب وده ليمد له فترة خدمته.
وهو الذي يعيّن رئيس لجنة الانتخابات منفردًا, وأعضاء اللجنة الآخرين بالتشاور, أي أن اللجنة الانتخابية موالية له.
وإذا كان ثلث أعضاء مجلس الشورى ونسبة من أعضاء مجلس النوّاب بالتعيين من قبل الرئيس منفردًا أو بالتشاور - صوريًا - مع أعوانه حكام المقاطعات وقادة المحاكم العليا الذين هم رهن الإشارة كما أسلفنا, أي أن السلطة التشريعية ستُشَرِّع له ما يريد.
وهكذا فالسلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده, فماذا بقي للحكومة وممثلي الشعب المنتخبين"ديمقراطيًا"ليراهنوا عليه, أو أي قوة لفعل ما تعهدوا به في حملاتهم الانتخابية إذا كان ذلك خلاف ما يريده الرئيس والنخبة الحاكمة؟!
وبسيطرته المطلقة على القوات المسلحة بصفته القائد الأعلي لها, وتعيينه جميع قادة الأفرع: البرية والبحرية والجوية. وكذلك أجهزة الأمن المختلفة؛ خاصة الاستخبارات. وعلاقاته بأصدقائه وحلفائه وأوليائه الغربيين ومن هم على شاكلته من حكام المسلمين وغير المسلمين يضمن له كل ذلك حماية ظهره.
و"سيادة"الرئيس أو الملك فوق المساءلة, فلا يطاله الانتقاد أو الاتهام لأن ذلك امتهان لكرامة الأمة, ولأن كباش الفداء من الوزراء والمحافظين وغيرهم معدّة سلفًا.
جاء في الدستور الأردني - كمثال لبقية الدساتير: (المادة 30: الملك هو رأس الدولة وهو مصون من كل تبعة ومسؤولية) .
لا يضطر للاستقالة إلا إذا وصل الدّمار مرحلة لا يمكن إخفاؤها, والفساد درجة لا يخفى عوارها, وحدثت انتفاضة شعبية تجبره على التنحي عن السلطة - وهذا نادر الحدوث في بلاد المسلمين -
أما الحكومة فالهدف الأساسي منها هو إعطاء المصداقية للحاكم والشرعية لتصرفاته, والإيهام بأنه لا ينفرد بتصريف شئون الدولة, بالإضافة إلي الاضطلاع بالشئون المالية والإدارية والسيطرة على الوضع الأمني في البلد.
وهي الحائط الذي يتلقى اللوم والانتقادات - لأن الرئيس لا يخطئ كما يصوره الدّجالون - والوقوف كالمتهمين في المجلس النيابي للرد على استجوابات أعضاء المجلس, وغالبًا ما تتم إقالتها وسط الاتهامات واللعنات لتحل محلها حكومة أخرى لتلقى نفس المصير... وهكذا دواليك.
وإذا كان الناس في 68 دولة في أمريكا وأوروبا والدول الديمقراطية العريقة - كما جاء في استطلاع الرأي الذي أجراه معهد جالوب - قد ذكروا أن حكوماتهم المنتخبة ديمقراطيًا لا تمثلهم ولا تهتم بقضاياهم ولا تبحث عن رغباتهم, ولم يشذ إلا سكان الدول الاسكندنافية وجنوب أفريقيا, فما بالنا بالدول المتخلفة والتي تطبق الديمقراطية الصورية الزخرفية والتي يتم تعيين الحكومة فيها وإن ادعت أنها جاءت نتيجة إجراء انتخابات حرة ونزيهة!
وأما أعضاء المجالس النيابية فيفترض أنهم يمثلون كلا الجنسين: الذكور والإناث من جميع العرقيات والديانات والأقليات - الطائفية والمذهبية - والمناطق الجغرافية والسياسية, وجميع الاتجاهات الفكرية والثقافية الأصيلة والدخيلة, ولذلك يدخل المجلس النيابي في الدولة التي تدّعي أن دينها الرسمي الإسلام نائبًا عن شعبها ذي الأغلبية الساحقة المسلمة: المسلم والنصراني واليهودي والمشرك والمجوسي, والبريلوي والقادياني والحبشي والشيعي وغيرهم, والشيوعي والإباحي والعلماني, والارستقراطي والرأسمالي والماركسي وغيرهم, والحاصل على أعلى الدرجات العلمية والأمي الذي لا يستطيع إلا كتابة اسمه؛ كلهم سواء!
المهم الفوز في الانتخابات العامة.
على أن يكون غالبية أعضاء المجلس موالين للحاكم, وأن تكون المعارضة ضعيفة مهمّشة لا تقدم ولا تؤخر في تمرير القوانين التي تتعلق بالقضايا المصيرية التي يقرها المجلس.
هذه الغالبية العظمى التي تقر تلك القوانين لا وظيفة لهم إلا تحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية والحزبية, وحل مشاكل أبناء الدائرة الانتخابية أو القبيلة التي ينتمي إليها على حساب مصالح الأمة وقضاياها المصيرية, فهم أبعد ما يكونون عن فهم المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية الشاملة حتى يناقشوها ويدلوا بآرائهم فيها. وحتى إن فهموها فهم أثناء مناقشتها ما بين نائم ومصفق ومشغول بمناقشات جانبية خاصة, وفي النهاية تُقَرُّ المشروعات المقدمة من الحكومة بالإجماع!
والآن نرى لزامًا علينا أن نتعرض لبعض المنزلقات والمحاذير التي قد يقع فيها من يدخل في لعبة الديمقراطية من قادة المسلمين الطيبين وعامتهم الذين يظنّون أنها الطريق الأسلم للتغيير في ظل المعطيات الحالية, وأن نحاول إيضاح بعض النقاط حول حكم الشرع كما فهمناه, لنفتح الباب أمام العلماء وطلاب العلم ليقولوا كلمتهم بعد التفكير بروية بعيدًا عن الأحكام المسبقة, أو الانغلاق على رأي واحد لا يقبل محاورة الآخرين.
أولًا: كيف يمكن الجمع بين الإيمان بأن الله هو الواحد الأحد المتفرد بالحاكمية, والديمقراطية التي تدّعي أن الشعب هو الذي يتولى حكم نفسه بنفسه؟!
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يقبل معه شريكًا في الأمر حيث يقول تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) [رواه مسلم] .
فكيف بمن يجعل الأمر كله للشعب وليس لله؟!
فإن اختار الشعب - حقيقةً أم زورًا - عدم تطبيق أحكام الشريعة, والتحاكم إلي الدستور الإنجليزي أو الأمريكي, أو استحداث دستور جديد يجمع بين الأمرين معًا الشريعة الإسلامية والدساتير الوضعية التي يسمونها"شرعية", فلا اعتراض على رغبة الشعب, ولتكن الدولة علمانية!
يقول صلي الله عليه وسلم: (من لم يحمد الله على ما عمل من عملٍ صالحٍ وحمد نفسه فقد كفر وحبط عمله. ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه) [رواه ابن جرير ] .