فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 719

وطبعًا إذا اجتمعت الشريعة الغرَّاء والشرعية المزعومة في دستور واحد, فالغلبة للشرعية دون الشريعة إذا اختلفا في مسألة من المسائل, تطبيقًا للقاعدة التي كان يتبعها المشركون في مكة: {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} .

إننا بمجرد عرض الشريعة على الاستفتاء الشعبي نكون قد أوقعنا أنفسنا والمسلمين في دائرة الهلاك؛ لأن من يقول:"نعم للشريعة فقط"، دون شراكة من أي نوعٍ للقوانين الوضعية, وحتمية التنفيذ دون تعديل ولا تأجيل فذاك هو المؤمن.

وأما من رفض تطبيق الشريعة جملةً وتفصيلًا, وقدح في أحكامها وصلاحية تطبيقها في العصر الحاضر فذاك الكافر.

وأما من أراد أن يجمع بين الشريعة والشرعية المزعومة, فذاك المشرك, وذلك مما يجب أن يُعْلَم من الدين بالضرورة.

ولعل التساؤل حول قبول تطبيق أحكام الشريعة يشبه استفتاح الصلاة بدلًا من التكبير بصيغة الإقرار:"الله أكبر"بالتكبير, بصيغة الاستفهام:"ءآلله أكبر؟"، فهل تقبل تلك الصلاة؟ وهل يعتبر المتسائل مسلمًا؟

إن شريعة الله أعلى وأجلَّ من أن تعرض على عامة الناس: الصالح منهم والطالح, والمؤمن والمنافق, والمسلم صحيح الاعتقاد وأصحاب البدع والطرق والمذاهب الشاذة أو الخارجة عن الإسلام لتشريحها والأخذ ببعضها أو ردها بالكلية, مثلما حدث عند صياغة الدستور الموقت للعراق من الاختلاف حول الاعتراف بالشريعة الإسلامية: هل هي المصدر الرئيس للتشريع أي تقبل معها شركاء وفي هذه الحالة لها الأفضلية, أم أنها أحد مصادر التشريع فتستوي مع بقية المصادر فإن شاؤوا عملوا بها وإن شاؤوا اختاروا المصادر الأخرى, أم أنها ليست من مصادر التشريع بالكلية!

فأي كفر أكبر من هذا الكفر! وأي استهزاء ولعب بدين الله من قبل أرباب موائد القمار والحانات الذين تربوا في أمريكا وأوروبا, والضآلين من أتباع المذاهب الشاذة والمنحرفة الذين كانوا لا شيء ثم يريدون أن يكونوا كل شيء!

إن قبول التحليل والتحريم من الدساتير الوضعية وإطاعة البشر في ذلك شرك بالله, لأن الذي يحلل ويحرّم هو الله سبحانه وتعالى؛ فمن أحل ما حرّمه الله أو حرّم ما أحله, فقد جعل نفسه ندًا لله, وادّعى الربوبية.

والذي يطيعه فقد عبده من دون الله كما أوضحه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عدي بن حاتم رضي الله عنه من أن سبب كفر من كفر من بني إسرائيل أن أحبارهم ورهبانهم أحلّوا لهم ماحرّمه الله, وحرّموا عليهم ما أحله لهم, فأطاعوهم في ذلك.

يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفآء فجآءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم) [رواه مسلم] .

ويقول تعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

وكيف يدّعي الإيمان من لا يرضى بالله حكمًا؟! وكيف يدّعي الحب من يطيع غير سيده وخالقه ومولاه؟!

يقول الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .

يقول سيد قطب رحمه الله:(إن الناس في جميع الأنظمة الأرضية يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، يقع في أرقى الديمقراطيات، كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء...

إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبيد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والموازين، وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس في صورة من الصور، ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع، وهذه المجموعة التي تُخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابًا من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا، فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.

وقال: أظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبيد العبيد، والتشريع لهم في حياتهم وإقامة الموازين لهم، فمن ادّعى لنفسه شيئًا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية، وأقام نفسه للناس إلهًا من دون الله...

عندما يدّعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، فهذا هو ادعاء الألوهية، ولو لم يقل كما قال فرعون: {أنا ربكم الأعلى} ، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد.

فأيما بشر ادّعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد ادّعى الألوهية اختصاصًا وعملًا، وأيما بشرٍ آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية سواء سماها باسمها أم لم يسمها...

إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده، وليس ذلك لأحد من البشر، لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله) [7] .

وهنا لابد من الإشارة إلى خطورة الزّج باسم الإسلام في العملية الانتخابية والديمقراطية عامةً, تحت مسميات متعددة, ورفع شعارات إسلامية خلال الحملة الانتخابية.

فالأحزاب الإسلامية - وهذه هي القاعدة - لن تنجح في الحصول على الأغلبية المطلوبة, وعندها سيقال إن الشعب رفض الإسلام وأراد العلمانية, والشعب من ذلك براءٌ, لأن الانتخابات لا تمثل القاعدة العريضة فعليا, ونسب التصويت المتدنية, وعزوف الجماهير عن المشاركة في العملية الانتخابية برمتها أمر معروف للجميعً.

والذي صوّت منهم لصالح الأحزاب العلمانية أو اليسارية أو اليمينية؛ فإنما كان ذلك خوفًا من السيف والجلاد, أو جهلًا بحكم الإسلام فيما فعلوه, أو لتحقيق مكاسب شخصية, أو سيرًا مع التيار السائد ونصرة عصبية.

والذين لم يدلوا بأصواتهم - وهم الأغلبية الساحقة - أرادوا رفع الحرج عن أنفسهم والتعبير"سلبيًا"عن رفضهم بالامتناع عن التصويت كما حدث في الانتخابات الرئاسية المصرية مؤخرًا حيث لم يدل بأصواتهم إلا 23 % فقط ممن يحق لهم التصويت - بغض النظر عما قيل من عملية التزوير الفاضحة لصالح مرشح الحزب الحاكم والرئيس الحالي مبارك - ولكن هذا لا يعفيهم من المسؤولية لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس, وليس معنى ذلك الدعوة لاشتراك الجماهير في التصويت, ولكن يجب على الأمة أن تعلن رفضها للنظام الديمقراطي برمته, والانتخابات وما يترتب عليها من نتائج؛ لأن المسألة تتعلق بعقيدة الأمة والتوحيد, وتسليم حاضر الأمة ومستقبلها للنظام الحاكم ومن يدورون في فلكه ويحظون برضاه يتلاعبون بهما باسم الديقراطية والنيابة عن الأمة, فلا يجوز اتخاذ موقف سلبي حيالها لأنهم بذلك يعطون الفرصة للحكومة لترتكب كل ما ترتكبه باسم الشعب.

وحتى لو فرض أن أحد الأحزاب الإسلامية استطاع الحصول على الأغلبية المطلوبة وتشكيل الحكومة فسيكون ك"من يملك ولا يحكم"، وسنشرح ذلك بالتفصيل عند الكلام عن الديمقراطية في تركيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت