اسمحوا لي بمداخلة بسيطة مع الدكتور مصطفى: هناك صورة من أخطر صور التغريب والتضليل، أحب أن ألقي عليها بعض الضوء، وهو ما يمارس لفرض منهج معيب في البحث تحت مسمى (العلم) ، بينما لا نجد هذا المنهج مطبقًا في بلاده، ولا بين أهله، وهذا يعني أنه منهج مصمم خصيصًا للمستعمرات، وبالذات لبلادنا الإسلامية للقضاء على كيانها، من أجل الحيلولة بين الأجيال الجديدة، وبين روافد هويتها الحقيقية.
ـ (فالأدب العربي) ـ وفق هذا المنهج ـ: أدبٌ منفصل، نشأ في العصر الحديث، وارتبط بالحملة الفرنسية، ومعنى هذا؛ أنه أدب منفصل تمامًا عن الأدب العربي والإسلامي في عصوره الممتدة.
ـ و (الفكر العربي) : عبارة عن فكر نشأ في ظروف الاتصال بالغرب؛ وعليه فإنه لا يمتّ إلى المنهج الإسلامي ومصادره بأية صلة.
ـ و (دراسة التاريخ) تتم من أجل النقد (أو قل: الطعن) في رموز الإسلام، أو تهميشها، أو التعمية عليها، والمقابل هو إبراز النماذج الشعوبية والتآمرية المنحرفة، بدعوى الحياد في السرد التاريخي.
والدافع الذي يفسر به التاريخ، ليس هو دافع العبودية، أو الصراع الأبدي بين الخير والشر، أو الحق والباطل، وإنما يفسر بالنفعية أو الذاتية.
ولنا أن نتصور حجم المصيبة إذا نشأت عقول باحثينا، ومن يقرأون لهم على مثل هذا المنهج المضلل.
ولا غرابة إذا رأينا من يطعن في الإسلام بحجة التطوير، أو في رموزه بحجة النقد، أو في تاريخه بدعوى الحياد، ولا عجب بعدها إذا ما نظروا إليه على أنه تخلف وغموض ووساوس، والله المستعان.
مفهوم التنمية:
* قضية التنمية، أو ما يعبر عنه بـ: (التنمية) اليوم، أو (الدول النامية) .
ما صلة هذا اللفظ بحرب الهويات؟
د/ مصطفى:
يمكن لنا أن نضع قذائف التغريب الثقافي في كفة، وما يجتاح (العالم الثالث) من حمّى الغزو الاقتصادي في كفة أخرى، لا لقوته التي تفوق الغزو الثقافي فحسب، ولكن لخفائه أيضًا وتسربه الخادع إلى العقول والنفوس؛ لأنه يتخفّى تحت عنوان باهر باسم (التنمية) . يقول د. جلال أمين: (إن هذا الغزو الغربي لاقتصاديات وثقافة بلاد العالم الثالث هو بالضبط ما يحدث منذ أن رفع شعار: تنمية هذه البلاد، وإطلاق اسم التنمية على هذا الغزو، وتسمية الدول الخاضعة له باسم(الدول النامية) ، هو مثال من أسوأ ما يمكن أن يقدّم من أمثلة على الاستعمال الفاسد للغة، وعلى تسمية الأشياء بغير أسمائها.
ولكن أن نذهب إلى حد وصف تلك المجتمعات الرافضة، أو المقاومة لهذا الغزو، أو التي لا تخضع له بالسرعة الواجبة، بوصف (الدول المتخلفة) ، فهذا من قبيل عدم الاكتفاء بإيقاع الأذى، بل وإضافة الإهانة إليه).
أ/ جمال سلطان:
تعتبر التنمية الاقتصادية جزءًا هامًا من البعد الحضاري الذي يشكل بعدًا من أبعاد الهوية، هذا البعد في مجمله له أثر في غاية الخطورة على قضية الانتماء؛ لأن التغريب استطاع أن يكسب من خلاله أرضية واسعة في غزوه للهويات؛ لأنه يتعلق بالمناخ الفكري، والثقافي، والمعرفي، والقيمي، والسلوكي، والأخلاقي الذي يعيش فيه الإنسان، وفي هذا المجال يتلاعب التغريب عبر وسائله بشكل مباشر، لدرجة أنه يحدد الذوق الشخصي للإنسان، ويملك أن يقنعه بالمتناقضات في آن واحد.
ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إدخال نمط الطعام الغربي لحياتنا، حتى أصبح الطعام بهذه الصورة ثقافة، ونستشعر ذلك في الاحتفال الضخم الذي أقامه الأمريكان لافتتاحهم أول فرع لـ (ماكدونالد) في القاهرة أو في روسيا، فالربح الماديّ ـ باعتباره العامل الاقتصادي الأكبر ـ لم يكن هو الدافع الوحيد لكل هذا الابتهاج، ولكن المسألة تتلخص في أنه بافتتاح (ماكدونالد) ـ باعتباره واجهة تغريبية ـ يمكن نشر مجموعة من التقاليد والسلوكيات الأمريكية، مما يمثل نوعًا من الغزو المستتر، ونموذجًا للحرب الطاحنة للنفاذ إلى العقول والقلوب، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التلويح باستخدام القوة، من أجل فرض قيم معينة.
ومن نماذج هذا الصراع، ما يجري بين (الأمركة) و (الفرانكوفونية) ، على النفوذ والوجود الثقافي في القارة السوداء، والمستعمرات الفرنسية السابقة.
* وهل من علاقة بين (التنمية) و (التنصير) على اعتبار أن (التنصير) هو أعلى غايات (التغريب) ؟
د. مصطفى حلمي:
الغرب من حيث أنه يمثل وحدة تركيبية تتفاعل فيه مجموعة مؤثرات دينية، وأخلاقية، وعرقية، واقتصادية، والأقرب أنه كيان ثقافي، وظاهرة حضارية.
لكن التنصير يبرز ممثلًا أحد مظاهر نشاطه التغريبي، وأبرز أشكاله البروتستانتي بزعامة الولايات المتحدة، والكاثوليكية بزعامة فرنسا، ويقدم تحت ستار (النشاط الإحساني) ـ وفق تعبيرهم ـ المتمثل في المساعدات والإعانات الخيرية والاجتماعية، أو تحت ستار (النشاط العقلاني) عبر المدارس التنصيرية والنشرات وجهود المستشرقين، وغالبًا ما تقرن مشروعات التنمية بـ (تحت راية الصليب) ، ويزداد الأمر دهاءً في بعض الأحيان فيطلقون على التنصير نفسه وصف التنمية.
* في أحيان كثيرة يبرز دور الشركات المتعددة الجنسيات فيما يطلق عليه (التنمية) ، هذه الشركات التي قد تفوق ميزانيتها ميزانيات بعض الدول.
فما صلتها بخطط التغريب؟
د/ مصطفى حلمي:
نعم، لقد أصبح لها دور خطير في توجيه سياسات الدول واقتصادياتها، وأنماط حياتها، فلم يعد الربح هو الهدف الوحيد، ولكن (السّلطة) أيضًا إلى جانب تبديل الوعي الثقافي، وهذا يعتبر نقضًا للميثاق الذي يقضي بأنه (لا يجوز من مثل هذه الشركات، التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد التي تعمل فيها) ، وقد بين لاتوش سذاجة من يثق في هذا الميثاق.
* مظهر آخر لعله من أخطر مظاهر (التغريب) ، أو (التخريب) ، ما يسمى بـ (حوار الأديان) ، الذي صار الغرب يلعب من خلاله، على كثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والتوجيه الشرعي، ويلبّس به على عامة الشعوب.
د/مصطفى حلمي:
تكاثرت في الفترة الأخيرة الدعوة إلى الحوار بين الأديان، ولهذه الدعوات مغزاها ودلالاتها، وحصادها الخبيث الذي بدأنا نصطدم به في واقعنا.
والمتابع للمؤتمرات التي تعقد تحت هذا المسمى، فإنه يدرك من مجرياتها مدى الغزو الفكري، والعقدي المقنع، الذي يُدس من خلال التشكيك والاتهام من جهة واحدة، ضد جهة واحدة، (الأديان الأخرى) ضد (الإسلام) .
د/جمال عبد الهادي:
لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن تطرح مسائل العقيدة، والقيم، والأمور المعلومة من الدين بالضرورة للحوار، أو تكون موضوعًا للتفاوض؛ لأنها من النظام العام لهويتنا؛ بل هي النظام العام نفسه، الذي لا ينبغي لتعليم ولا لإعلام أن يخالفها، وإلا كان هادمًا لهوية الأمة، معرضًا أمنها للخطر، ومستقبلها للضياع، وأما ما يجري في مثل تلك المؤتمرات بحجة مسايرة العصر، أو التفاعل مع الحضارات الأخرى، ففرية تحيل الأمة إلى (قرد) يقلد الآخرين، و (ببغاء) يردد ما يقال دون أن يعلم له معنى.
وأما الاحتجاج بمصلحة الوطن فوهمٌ؛ لأنه لا قيمة للوطن إذا كان يسكنه شعب ضائع، مستعبد على أرضه، يعيش ليأكل، ويتمتع كما تتمتع الأنعام.
ما الحل؟
* بعد أن تبين حجم التحدي وقدر المخاطر المحدقة بنا نريد أن نرسم خريطة تكون بمثابة ورقة عمل تجمع الجهود المتناثرة، وتحدد الأدوار التي يمكن تقديمها من أجل استعادة الهوية المضيعة.
الشيخ محمد: