فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 719

يضاف إلى ذلك علمنة المفاهيم، وتغريب التقاليد والعادات، وإشاعة المساوئ الأخلاقية من خلال نشر الصور العارية، والقصص المبتذلة الساقطة في مناهج اللغات الأجنبية، ومحاولة نشر الفاحشة عن طريق ما يسمونه بالثقافة الجنسية، التي بدأوا يقيمون لها دورات وندوات، تشمل في بعض الأحيان تلاميذ المرحلة الابتدائية! لنرى إلى أي حد تتأثر سياساتنا بمخططات أعدائنا.

ونحن نسأل: ماذا يريد المسؤولون عن التعليم في بلادنا أن يُخرجوا لنا؟!

هل سيخرّجون نموذجًا إسلاميًا؟ أو حتى قوميًا أو وطنيًا؟ أو على أقل تقدير إنسانًا لديه أي قيم؟

للأسف! ليس شيئًا من ذلك.

وبدون أدنى تحقيق فإن الناظر فيما يجري، يرى مدى الخطر الداهم الذي يهدد هويتنا الإسلامية، بل وحتى الهويات البديلة المصطنعة من أجل مزاحمة الهوية الإسلامية.

الشيخ/ محمد بن إسماعيل:

إذا أحببنا أن نشبه تأثير التعليم الغربي اللا ديني، فيمكن اعتباره (كالحامض) الذي يذيب شخصية المسلم، وهذا ما عبر عنه المستشرق (جب) : (والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب؛ هو أن تتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي... هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين) اهـ.

إنه من غير المعقول ولا الجائز، أن تستورد أمة ـ لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها ـ أن تستورد نظامًا تعليميًا أجنبيًا عنها، ثم تكل وظيفة التعليم والتربية، وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى أناس لا يؤمنون بهذه الأسس والقواعد، بل يناصبونها العداء!

أمثلة ونماذج على تخريب التعليم:

* هل يمكن ذكر نماذج واقعية من خلال ما يجري في مناهج التعليم من تزوير للهوية تحت مسمى التطوير؟

د/ جمال عبد الهادي:

ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب.

فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرس في (75) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط، أصبح يدرس في المراحل الثلاث وفي (317) صفحة.

هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرس في المراحل الثلاث في (307) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى (32) صفحة!.

وبينما نجد أن عصر النبوة كله يدرس في (10) صفحات نجد أن الملك (مينا) وحده يدرّس تاريخه في تسع صفحات، واختزل تاريخ خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ وفتوحاته في (6) أسطر، في حين يدرس (نابليون) وحملته على مصر في (34) صفحة.

ـ أما السيرة النبوية الشريفة فتبدو وكأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس، لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو على أقل المفروض سيرة مصلح أو زعيم تقليدي؛ حيث حذفت مواطن العظمة ونماذج القدوة، فضلًا عن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية، مثل ما يثار من شبهات حول الخلفاء الراشدين والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ.

ـ أما الحضارة الإسلامية فقد طمست أهم معالمها؛ كالنظام السياسي والإداري والمالي، والقضائي، وشوهت فترات القوة فيها، فصوروا حياة الخلفاء فيها على أنها حياة لهو ومجون، ووصموا الحضارة بالعنصرية والطبقية، بل وحذفت أي جملة، أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام والاعتزاز به.

ومن جوانب المؤامرة كذلك:

ـ ما تم إخفاؤه من حقائق؛ مثل إخفاء حقيقة الحملات الصليبية، تحت مسوغات مادية أو مصالح غربية لإضعاف حس الولاء والبراء والحمية للإسلام.

ـ كذلك ما يتم في معالجة التاريخ الحديث لبلادنا على ضوء التاريخ الأوروبي الحديث، وبنظرة ومفاهيم غربية بحتة، لذا لم تبين لنا مثل هذه المعالجة مدى المصائب التي أضرت باقتصادنا وسلبت ثرواتنا وما زالت، وحرمتنا من إنتاج رغيف خبزنا، بل ومنعتنا من تطبيق شريعتنا، وذلك منذ بدء الاحتلال الأوروبي الصليبي وحتى اليوم.

كما أخفت أن سياسة أوروبا الاستعمارية القديمة ما زالت مستمرة، وأن النظام الدولي الجديد ما هو إلا امتداد للنظام الاستعماري القديم، كما حذفت أي عبارة تشير إلى دور أمريكا وبريطانيا في غرس الكيان اليهودي في أرض فلسطين.

وهكذا اقترنت الغزوة العسكرية والاقتصادية لديارنا بغزوة فكرية، تعزل الإسلام تمامًا عن حركة التاريخ، ومعترك الحياة.

فلا عجب إذا ما فرّغت كتب التاريخ والجغرافيا من مضمونها، وحُرم النشء المسلم من معرفة تاريخ أمته العربية الإسلامية وأدوار قوتها وضعفها، ومن هم أعداؤها في الماضي والحاضر، وما هي أهم واجباته لمواجهة مخططاتهم، وبخاصة مخطط تمزيق وحدة الأمة، وبعثرة جهودها وسلب خيراتها، ومحاولة تكبيلها للسيطرة عليها.

ـ تم إغفال إبراز فكرة التعاون والتكامل الإسلامي العربي (الوحدة الإسلامية) لحساب المشروعات الوافدة، كمشروع الشرق أوسطية، أو البحر متوسطية، لذلك تم حذف كل ما يشير إلى التضامن الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، أو الجامعة الإسلامية.

الثقافة والهوية:

* وما ذا عن الاختراق الثقافي للعقل الإسلامي، وما مدى تأثير ذلك على الهوية؟

د/ جمال عبد الهادي:

الاختراق الثقافي أصبح قضية تحدٍ خطيرة؛ لأن القضية دوّلت، ففي عام 1987م أعلنت الأمم المتحدة؛ أن السنوات العشر القادمة ستكون للتنمية الثقافية. ومفهوم التنمية لديهم معروف لذي الفطن! ولكن بعد مضي السنوات العشر ما الذي جنيناه من جراء هذا الإعلان؟ لم تتحقق أي تنمية، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان تحريفًا وتزييفًا وتضليلًا، ورغم توقيع غالب الدول على هذه الاتفاقية غير أن ما يمارس اليوم من هيمنة إعلامية وثقافية غربية، وبالذات الأمريكية منها، يمكن اعتباره حربًا عالمية ثقافية حقيقية تدعمها القوة المسلحة، مصحوبة بالاستخدام الواسع لوسائل الاستخبارات والتقنية الحديثة، فضلًا عن وسائل الردع والضغط الاقتصادي، لاستخدام قيم العدو، وهنا يكمن الخطر؛ ورغم هذا يسمونه (البديل الديموقراطي) .

وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض تصورها بالقوة، كما جاء ذلك في خطاب كلينتون؛ الذي ألقاه يوم تنصيبه رئيسًا في 20 يناير 1993م: (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا مقدسًا لتحويل العالم إلى صورتنا) !.

لعبة الديمقراطية:

* إذن فالبديل الديمقراطي ما هو إلا لعبة تغريبية، يُمارس من خلالها الخداع، والتسويق الثقافي لفلسفات جامدة.

د/مصطفى حلمي:

هناك الكثير من المصطلحات مثل: (الديموقراطية) ، و (التحرر) ، و (البحث الحر) ، وأمثالها، هذه الشعارات ارتبطت بالتغريب، وهي في حقيقتها شعارات خادعة تخفي الواقع المخالف لها تمامًا، لذلك لا يسمح الغرب للقيم الحقيقية أن تنافس قيمه الزائفة، ويقولون بصراحة: (لن نسمح لهذه القيم أن تطبق، إنها مجرد شعارات) ، فهدفهم هو تغريب العالم ككل، ولو من أقصر طريق. يقول (لاتوش) : (إذا كان للحضارة أن تختزل إلى الشرطة والجيش، فإن العالمية متحققة إذن من الآن) فنحن نواجه اليوم (إمبريالية ثقافية غربية) وبالأخص (إنجلوساكسونية) ، أما دورنا فمجرد مستقبلين! فأين (الديمقراطية) المزعومة إذن؟!

د/جمال عبد الهادي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت