كما استفادوا من نشر الكتب في بث أفكارهم المنحرفة، لأمثال قاسم أمين الذي دافع عن الهوية والحضارة والحجاب والشريعة في أول أمره، ثم انقلب بعد خمس سنوات بزاوية (130) في كتابه (تحرير المرأة) ثم زادت الهوة فبلغ الانقلاب إلى (180) في كتابه: (المرأة الجديدة) ، وكذلك علي عبد الرازق.
وهناك أسلوب أخطر رصده د. محمد حسين هيكل في كتابه: (ثورة الأدب) في فترة العشرينات، يقول: (إننا كنا نرى في الجامعة أناسًا مستشرقين وغيرهم، يحتكّون بالطلبة ويقيمون صداقات مع بعض الطلبة النابغين، ويغلفون هذه الأنشطة بالبحث العلمي والأدبي) .
يقول: (ولكني أزعم) ـ والرجل كان رجل فكر وسياسة وأدب ـ يقول: (ولكني أزعم أن هذه الأمور لم تكن متعلقة بالأدب، بقدر ما كانت متعلقة بأمور أخرى خطيرة) .
والشاهد أن الاحتلال الإنجليزي قد نجح نجاحًا بالغ الخطورة في مسألة (التغريب) على حساب الهوية الإسلامية التي ضُيعت جوانب منها كثيرة، حتى وصل الأمر إلى درجة بالغة من الانهيار في فترة الخمسينات والستينات، قبل أن يتدارك الله بفضله ورحمته أمتنا بالصحوة الإسلامية، لتنتعش الهوية من جديد.
لعلنا استطردنا في النموذج المصري؛ لأنه كان أسبق في التغريب، كما أنه كان أخطر؛ لما كانت تمثله مصر من كونها قبلة للكفاءات والطاقات الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي، إلى جانب أنه كان يتم تصدير المشاريع الموجودة بها سواء الإسلامية أو التغريبية من خلالها، ولكنا نجد أن الأمور سارت بشكل متقارب في عدة مواضع، كما فعل الفرنسيون في تونس والجزائر، أما تركيا فقد بدأت هذه الأمور فيها منذ وقت مبكر عن مصر.
الشيخ/ محمد بن إسماعيل:
لديّ إضافة بالنسبة لتركيا وما صنعه أتاتورك لتغريب المجتمع هناك، وكيف أنه يتكرر بحذافيره في كثير من بلادنا اليوم، فالرجل قد ألغى الخلافة، وعطل الشريعة، وألغى نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وألغى المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية والأوقاف، وحوّل الأذان العربي إلى التركية، واستبدل الحروف العربية باللاتينية، وكان يقول: (لقد انتصرت على العدو، وفتحت البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟) .
وهو الذي قال: (كثيرًا ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر) !، وهو الذي استدعى ـ وهو على فراش الموت ـ السفير الإنكليزي (بيرس لورين) ، في قصر الرئاسة بإستانبول، وعرض عليه أن يخلفه في منصب الرئيس، ورفض السفير بلباقة!
وبلغ الشغف بالتغريب إلى حد أن قال أغا أوغلي أحمد ـ وهو أحد غلاة الكماليين: (إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم) .
* نود الحديث عن أهم القنوات التي تُسلل من خلالها لتغريبنا.
د/ جمال عبد الهادي:
أخطر قنوات التغريب التي ركز عليها الاستعمار قناتا: (التعليم، والإعلام) ، وقد تكلم عن أثرهما (هاملتون جب) في حديثه عن تغيير الهوية الإسلامية، قال: (ومن ثمّ نستطيع أن نقول ـ حسب سير الأمور ـ: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة لا دينيًا في كل مظاهر حياته ما لم يطرأ على الأمور عوامل ليست في الحسبان فيتغير اتجاه التيار) .
لذلك فإن النفوذ الغربي قد ركز في سبيل تفريق وحدتنا الإسلامية على التعليم كعامل هام في إدخال مفاهيم الكراهية للإسلام، والافتتان بالغرب من أجل خلخلة الانتماء، والتشويش عليه، ومن ثمّ القضاء عليه مع امتداد الأجيال، وقد جاء ذلك عن طريق الثقافة الغربية المبثوثة في مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أساس أن هذه المفاهيم لها طابع نصراني.
أما وسائل الإعلام فقد نجحت في تشكيل ثقافة الأمة، والتأثير عليها إلى حد بعيد جدًا، وسر نجاحها أنها استطاعت أن تتخطى حاجز الأمية بالوسائل المرئية والمسموعة، بل والمقروءة ـ أحيانًا ـ والتي أصبحت تُقرأ عبر التلفاز، وتكمن الخطورة في أنها أصبحت تملك المصداقية لدى رجل الشارع العادي الذي لا يجد أمامه خيارًا آخر سوى تصديقها، أضف إلى ذلك مستوى التقدم المذهل في تقنيات الإرسال والاستقبال، وبرامج المعلومات، وتقنيات التأثير النفسي على الجماهير، من خلال الوسائل الإعلامية التي تحاول فرض الهيمنة الفكرية والثقافية عليها، تحت شعار: (ما أريكم إلا ما أرى) .
* وماذا عن وسائل الإعلام ودورها في أزمة الهوية؟
أ/ جمال سلطان:
يعد الإعلام من أخطر وسائل الاسترخاء، بل والتخدير في العصر الحديث، فخطر التليفزيون ـ على سبيل المثال ـ أعظم من أن يوصف، لذلك لما وصفه أحد الباحثين بأنه: (الأب الثالث) للطفل، رد عليه آخر قائلًا: (لا.. بل هو الأب الأول) .
فالإعلام أصبح موجهًا ومربيًا وبرامجه قائمة على دراسات نفسية واجتماعية عميقة لتحدث الأثر المطلوب.
وأكبر مثال على ذلك هو كيفية تقديم الرئيس الأمريكي عند انتخابه: كم نسبة من يعرفونه من الشعب إلى من لا يعرفونه قبل الانتخاب؟
الواضح أن الجماهير لم تكن لتعرفه إلا عن طريق الشخصية الإعلامية الملمعة.
وعليه فإن الذي يصنع آلة الإعلام هو الذي يصنع الرئيس الأمريكي، ويصنع قبل ذلك العقول والأذواق وأساليب التفكير. ولننظر إلى الصحف كيف تشكل الرأي العام، وهي مسألة في منتهى الخطورة، وتقف وراءها مؤسسات متخصصة كاملة.
د/مصطفى حلمي:
يرى (لاتوش) في كتابه: (تغريب العالم) أن أروع نجاحات التغريب يكمن في انتشار أدوات السلطة التي من أهمها الإعلام، ويستدل على ذلك بما رصده (كاستورياديس) بفطنة ثاقبة عن تقنيات السلطة، أي (تقنيات الخبل الجماعي) : (هناك مكبر صوت في كافة القرى يبث خطاب الزعيم، هناك تليفزيون يهتم بنفي الأخبار..إلخ، وتنتشر هذه التقنيات بسرعة النار في الهشيم، وقد اجتاحت الأرض بأسرها، وسرعان ما انتشر في كل مكان أن أيّ أومباشي في أي بلد من بلدان العالم الثالث، يحسن استخدام سيارة الجيب، والرشاشات، والبشر، والتليفزيون، والخطب، وكلمات(الاشتراكية) ، و (الديمقراطية) ، و (الثورة) وكل هذا، قمنا نحن بمنحه لهم، وتلقينه إياهم بسخاء بالغ)!!.
* كيف نجح الغرب عبر التعليم في طمس هويتنا من أجل تغريبنا؟
د/ جمال عبد الهادي:
الغرب لم يعد يقنع في تغريب التعليم بما حققه، ولكنه ما زال يطمع في المزيد؛ لأن التعليم هدف استراتيجي بعيد المدى خطير الأثر.
فبعدما نجح في تغريب النخبة عبر التعليم، إذا بنا نراه يطمح لتغريب المجتمع كله، عبر وضع المناهج الدراسية العامة!.
فهل يعقل ـ مع هذا ـ أن نستجلب مستشارين من غير جلدتنا، ليضعوا لنا مناهجنا التربوية، وسياستنا التعليمية؟!..
هل يعقل أن نسلم كل عقول الأجيال القادمة إلى أناس لا يرقبون فينا إلًا ولا ذمة، ونسلّم لهم في كل ما يقولونه؛ ونطلق أيديهم للعب في المناهج التعليمية بدءًا من المناهج الدينية إلى العلوم الإنسانية والتطبيقية، وعلوم التقنيات الحديثة؟
وقد ظهر أخيرًا إلى أي حد بلغ التآمر على هويتنا؛ فحذف كل ما يعمق الفهم الإسلامي ويقوي الانتماء، وكل ما يذكر بعدوان الغرب لنا أو حتى انتقاده، أو بعداوة اليهود والنصارى، ولو كانت نصوصًا من القرآن والسنة، بالإضافة إلى التسطيح المتعمد للعلوم الإنسانية والتجريبية؛ بحيث تصبح بلا دلالة ولا مضمون، فيقف الطالب عند الحد النظري منها دون أن يستفيد أي خبرة أو مهارة عملية.