فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 719

فالمعلم إذا شاء أن ينجح في تعليمه فلا مفر له على أن يقبل على الاستزادة من العلم بمادته و تخصصه و لتكن همته في طلب العلم عالية و عليه أن يبادر أوقات عمره إلى التحصيل و لا يغتر بخدع التسويف و التأمل.

2.الكفاءة المهنية:

و يقصد بها مهارات التدريس التي يجب توافرها في المعلم لكي يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه لتحقيق أهدافه التربوية. و من هذه المهارات

(أ) استثارة الدافعية عند التلاميذ و وجودها عنده، فالمفكرون التربويون ينصحون المعلم بأن يثير دافعية المتعلم و أن يرغيه في العلم في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله للعلماء من منازل الكرامات و أنهم ورثة الأنبياء و على منابر من نور يغبطهم الأنبياء و الشهداء، و يحبذ الزرنوجي أن تكون الدافعية نابعة من المتعلم بنفسه"فينبغي للمتعلم أن يبعث نفسه على التحصيل"و يقول:"و كفى بلذة العلم و الفقه و الفهم داعيا و باعثا للعاقل على تحصيل العلم" ( 16)

(ب) مراعاة الفروق المهنية: فلا ينبغي للمعلم أن يشرك الطالب عالي التحصيل مع متدني التحصيل و ذلك لاختلاف قدرة كل منهما، ففي ذلك عدم إنصاف

و يؤكد الغزالي بقوله بضرورة"ضرورة مخاطبتهم على قدر عقولهم".

(ج) طريقة التدريس: حيث أشار المفكرون لأهمية طريقة التدريس للمعلم بأن لا ينقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم.

و يؤكد ابن جماعة على المعلم أن يقرب المعنى للتلاميذ و يحتسب إعادة الشرح و تكراره و يبدأ بتصوير المسائل و توضيحها بالأمثلة، و ما ورد في مجامع العرب بأن العلم هو ( ما حوته الصدور لا ما طوته السطور) مع عدم الحفظ الصم دون وعي و إجادة.

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئا و غابت عنك أشياء

و من طرق التعليم التي استخدمها المعلمون المسلمون أمثال ابن سينا هو التعليم التعاوني فيقول"إن الصبي عن الصبي ألقن و هو عنه أخذ به و آنس"

(د) إدارة الصف: و هي مهارة يجب أن يتمتع بها المدرس حني يستطيع تحقيق أهدافه في أحسن جو و أن يصون مجالس درسه في الغوغاء و اللغط و سوء الأدب و أن يعامل طلابه بأدب، فهذا ابن سحنون يروي عن الرسول صلى الله عليه و سلم بأنه قال:"أريما مؤدب ولى ثلاثة صبية من هذه الأمة و لم يعاملهم بالسوية فقيرهم و غنيهم حشر يوم القيامة مع الخائنين"

(هـ) الثواب و العقاب: و هناك مسألة خلافية كبيرة بين مفكرين العصر و مفكرين الثقافة الإسلامية حيث أن الإسلاميين وضعوا ضوابط للعقاب حتى لا يساء استخدامه من قبل المعلم و أن لا يلجأ للعقوبة البدنية إلا عند الضرورة القصوى و يجب أن لا يكثر من استخدامها حتى لا تكون روتينا عند التلاميذ فتفقد أهميتها، و أن يكون مؤدبا في عقابه رحيما.

و قد وضح الإسلام العلاقة بين المعلم و المتعلم في ضوء الفكر التربوي الإسلامي، فقد أخذ القابسي بالقاعدة التي تقول:"إن الله ليملي للظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالعفو أسبق من العقاب، و الصبر مقدمة الحساب."

فأمر المعلمين بالرفق مع الصبيان و إن كان العفو مع الذنبين من الكبار واردا، فهو مع الصبيان واجب لصغر سنهم و طيش أعمارهم وضيق حلومهم و قلة مداركهم.

فالمعلم ينزل من الصبيان منزلة الوالد، فهو المأخوذ بآدابهم و القائم على زجرهم و هو الذي يوجههم إلى ما منه مصلحة أنفسهم وهذا التوجيه يحتاج إلى سياسة و رياضة حتى يصل المعلم بالطفل مع الزمن إلى معرفة الخير و الشر. (8)

3.الكفايات الأخلاقية: و من الكفايات الأخلاقية التي يجب توافرها في المعلم المسلم:

( أ ) القدوة يقول الشاعر

لا تنه عن خلق و تأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيما

يجب أن يكون المعلم قدوة حسنة لتلاميذه في تعليمه للأخلاق، فالمعلم في فكر التربوي الإسلامي بإشراط الغزالي على المعلم أن يعمل بعلمه و استشهد بقوله تعالى:

"أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم"

و يشير ابن جماعة إلى أثر القدوة الحسنة بقوله"و يسلك - أي التلميذ - في الهدي مسلكه - أي مسلك العلم - و يراعي في العلم و الدين عاداته و عبادته و يتأدب بآدابه و لا يدع الإقتداء به"

و لقد حرص الغزالي على أن يبين أن التمسك بالمبادئ و العمل على تحقيقها يجب أن يكونا من صفات المعلم المثالي، فنصح المعلم بأن لا ينادي بمبدأ و يأتي أفعالا تتناقض مع هذا المبدأ و لا يرتضي المعلم لنفسه من الأعمال ما ينهى عنه تلاميذه، و إلا فالمعلم يفقد هيبته و يصبح مثارا للسخرية و الاحتقار فيفقد بذلك قدرته عل قيادة تلاميذه و يصبح عاجزا على توجيههم و إرشادهم.

يقول الغزالي:"مثل المرشد من المسترشدين مثل النفس من الطين بما لا نقش فيه و متي يستوي الظل و العود أعوج ؟؟"

(ب) الزهد و التواضع

و يتمثل ذلك في أن يقتصد المعلم في ملبسه و مطعمه و مسكنه و حدها ابن جماعة بأن يكون ( من غير ضرر على نفسه و عياله) .

فالتواضع من صفة العلماء و أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن يعلمه سواء كان دونه منصبا أو نسبا أو سنا.

(ج) الوقار و الهيبة

ينصح ابن جماعة المعلم بأن يتجنب مواضع التهم و إن بعدت و لا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءته أو ما يستنكر ظاهرا و إن كان جائزا باطنا فإنه يعرض نفسه للتهمة و عرضة للوقيعة.

و أن لا يضحك مع الصبيان و لا يباسطهم لئلا يفضي ذلك إلى زوال حرمته عندهم، كذلك ف، مشية المعلم يجب أن تكون مشية العلماء و أن ينزه نفسه عن المهن الوضيعة و أن يصطحب الوقار و الهيبة مع إخلاصه في العمل ليكون رزقه حلالا.

و يظهر ذلك جليا في أفكار المسلمين الأوائل فعند أخوان الصفا المعلم له شروط و صفات أوجزها في ( الزهد في الدنيا و قلة الرغبة في ملاذها مع التهيؤ الفعلي في العلوم و الصنائع، صارفا عنايته كلها إلى تطهير نفسه قادرا على تحمل كافة المشاق من أجل العلم و أن يكون مشتملا برداء الحلم، حسن العبادة أخلاقه رضية، و آدابه ملكية، معتدل الخلقة، صافي الذهن خاشع القلب)

4.الكفايات الجسدية:

يهتم الفكر التربوي الإسلامي اهتماما بالغا في الجانب الجسدي عند المعلم فيصف القلقشندي المعلم بأنه"حسن القد، واضح الجبين، واسع الجبهة" (9)

و يبدوا أن ابن جماعة كان أكثر موضوعية كان أكثر موضوعية حيث وصف المعلم أن يكون دائما بالمظهر المناسب من حيث نظافته ونظافة ثيابه و تطيبه لإزالة كريه الرائحة ، فالمدرس إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الخبث و تنظف و تطيب ولبس أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدا بذلك تعظيم العلم

و يبدو أن ذلك مستوحى من اهتمام الدين الإسلامي بالصحة و النظافة بشكل عام فالوضوء و الاغتسال و أخذ الزينة عند كل مسجد مظاهر تأثر بها المفكرون في التربية الإسلامية و حرصوا عليها لأن النظافة من الإيمان.

فقد قال ابن جماعة مختصرا المعلم بأنه:"هو الذي كملت أهليته و كان أحسن تعلما - أي كفايته العلمية- و أجود تفهما - أي الكفاية المهنية - و ظهرت مروءته و عرفت عفته - أي الكفاية الأخلاقية-"

و لعلنا مما سبق عرضه لاحظنا بأن النظريات العلمية و الإنسانية الحديثة قد ظهرت عند علماء التربية العرب و المسلمين منذ مئات السنين حيث ظهرت إسهاماتهم جلية بعيدة عن اجتهاد الجهال و نزوات المخلفين، بل بذلوا عصارة فكرهم في بيان أصول التربية و فلسفتها و طرق تدريسها فظهرت عدة خلاصات و إيضاحات منها:

1.النظرة الخاطئة نحو التعليم كوسيلة ارتزاق حيث بين الإسلام أهمية هذه المهنة و وظيفتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت