3)بدا كأنه لايهمه سوى الكويت، وأما ما يصيب الأمة من هذا العدو الأمريكي الخبيث الصائل عليها فلا شيء!! ولم يعبأ بأي خطر للهيمنة الثقافية الأمريكية على العقيدة - لاسيما الولاء والبراء - أو الشريعة، أو الأخلاق الإسلامية التي سيفسدها الوجود الأمريكي، بما يحمله بطبيعة الحال من ثقافة وأهداف وسياسة خطرة على شعوب المنطقة، تجاهل ذلك في اللقاء، ولم يتطرق عند الحديث على الوجود الأمريكي - وهو يمثل تيارا إسلاميا - سوى إلى الرفاه الاقتصادي الذي يبشر به الوجود الأمريكي، والأمن والاستقرار الذي ستنعم به المنطقة في ظله!!!
وما إن فرغت من قراءته، حتى كدت أن أترحم على"أندرو باسيفتش"، المدير التنفيذي لمعهد السياسة الخارجية في واشنطن عندما قال عن"المحافظين الجدد": (ومع إدراكهم للفوضى التي سقطت فيها الثقافة الأمريكية، يبقى المحافظون الجدد قوميين بشكل كبير، وبالفعل فإن الكتاب"المحافظين الجدد"يلمحون أحيانا إلى أن حملة صليبية مظفرة في سبيل قضية سامية، من شأنها بث الحياة في الشعور المتضائل بالهوية الأمريكية، وهم لا يعترفون بأي حدود لما يمكن أن تحققه ممارسة أمريكا بقوة لمهمتها القيادية.. ثم يقول؛ هل ستستمر الصين في مقاومة موجه التحول الديمقراطي المتصاعد؟ إن الإجابة على ذلك بسيطة في نظر الكاتب الصحفي جورج ويل، وذلك من خلال قيام الولايات المتحدة بسياسية"حقن الصين بالروح الأمريكية"، وبالتالي"إبطال الأدوات التي يستخدمها الحكم الصيني للسيطرة على المجتمع) [مجلة فيرست ثينغس مارس 1998م مقال بعنوان"THE IRONY OF THE AMERICAN POWER"] ."
ولكني مع ذلك شعرت بالأسى، والخسارة العظيمة، فقد تم للآسف حقن جزء لا يستهان به من أبناء الفكر الإسلامي - إذا كان الناطق حقا يمثل التيار الذي يمثله، ولم يصدر منهم تبرؤ مما قاله حتى كتابة هذا المقال - بـ"الروح الأمريكية"، حتى لقد صاروا أكثر"روحانية"من المحافظين الجدد أنفسهم!!
حتى كأن الذي أجرى معه اللقاء قد اندهش، عندما سمع ممثل التيار الإسلامي الذي طالما"هجر المبتدعة"!! يكيل المديح لأمريكا وما حققت للمنطقة، فقال:(سيفسر كلامك انك تمتدح أميركا بصورة كبيرة؟.
الممثل: أنا لا امتدح بل أتعامل مع الواقع.
هل هذا يعني أن أميركا لم تضر العالم الإسلامي؟
الممثل: اعطني مثالا واحدا!!
الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية؟
الممثل - في تهرب واضح من اتهام أمريكا: موضوع فلسطين موضوع شائك ويحتاج إلى تفصيل، فأميركا لم تكن في الصورة منذ البداية، بل بريطانيا هي التي وعدت بوعد بلفور ثم تخلت عن العرب والمسلمين والفلسطينيين، هذا هو الأصل)!!!
إنه نفس الكلام الذي يقوله ممثلو الخارجية الأمريكية.
وواضح جدا، أن"حقنة الروح الأمريكية"، المخصصة للكويت - وليس الصين - قد وصلت إلى النخاع، وأشربها القلب، حتى طفحت فعرق منها الجسد، وفاض، ثم تحول إلى بحيرة، تسبح فيها بعض الحركات الإسلامية، حالمة بمستقبل زاهر، لتجارتها ومصالحها الحزبية والشخصية تحت ظل الهيمنة الأمريكية على منطقتنا!! أما ماسوى ذلك فيبدو أنه لم يعد ذا أهمية!
إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها.
لكن السؤال الكبير هنا: ترى ما هو السبب؟
ما هو السبب الذي أدى بحركة إسلامية، تتبنى في الأصل نهجا عقديا صارما، حتى دفعها ذلك إلى مراغمة حركات إسلامية أخرى لإتهامها بالخروج عن نهج السلف، والتحذير من شخصيات إسلامية باعتبارهم"مهرطقين"، أن يتحولوا إلى مرحبين بالتحالف الاستراتيجي - وما يقتضيه من الولاء والبراء على أساس القانون الدولي العلماني - مع"المحافظين الجدد"،"المسيحين المتصهينين"في واشنطن؟!! فيغضون الطرف عن كل"هرطقة"المحافظين الجدد، وعبثها بالعالم والمنطقة العربية؟!!
كيف تحول فكر شديد الحساسية لانتقاد السلطة، يرفض إزعاج السلطة بأي شيء يكدر خاطرها، خوفا أن يتطور ذلك - ولو بعد قرن من الزمان - إلى"سفك الدماء"و"حدوث الفتن"، تحول فجأة إلى"مهلل"، أو لنقل على الأقل غير مبال بسفك أمريكا آلاف الدماء البريئة في أفغانستان والعراق، وعن طريق الصهاينة في فلسطين، ودعم الهند ضد باكستان، وملاحقة العلماء النووين الباكستانين.. إلى آخر ما تفعله في كل بقاع الإسلام من ملاحقة لكل جماعة جهادية، أوقوة إسلامية يحتمل أن تبرز.
وإحداثها الفتن في بلاد الإسلام، وكلما هيمنت على بلد، باحتلال عسكري أو غيره، ظهرت وعلت - ليس الجماعات الإسلامية السنية الأخرى المخالفة لمنهج السلف! - بل كل ما هناك من قرون الشيطان!!
كيف انتقل هذا الفكر هذه النقلة النوعية، وفي وسط هذا الصخب العالمي المتعالي بالسخط على سياسة أمريكا الخارجية، حتى من عقلاء المفكرين الأمريكيين أنفسهم، فشذ هذا الفكر، لوحده، عن ذلك كله، وفاجأ الأمريكيين بتصريح ممثل هذا الفكر، أنه لا يوجد مثال واحد، على أن أمريكا أضرت بالعالم الإسلامي!! وأن مشروعها الذي تبشر به في البلاد العربية، يحمل الرفاه والاستقرار، وينقذ المنطقة من الاضطراب الذي طالما عانت منه!
بلا ريب، وواضح جدا أن أمريكا لم تطلب كل هذا، لأنها لم تحلم به أصلا، أعني أن يعطي ممثل لحركة"سلفية"، شديدة التمسك بالتراث، تصر على تحكيم الكتاب والسنة في كل شيء، لا تتسامح مع صغار البدع والإحداث في الدين، يعطي أمريكا صك البراءة، فاتحا ذراعيه للمشروع الأمريكي إلى هذه الدرجة!
لقد بث هذا التصريح"الكارثي"، في روح"المحافظين الجدد"رياحا مفعمة بالأمل الرحب، بتحويل الشعوب العربية كلها إلى"محافظين جدد"، بحقنة أمريكية ممزوجة بالشريعة الإسلامية على نهج السلف الصالح!!
ترى هل توقعوا ذلك، يوما من الأيام؟
فكيف ليت شعري حدث هذا؟ إنه أمر محير حقا، إنها ظاهرة سياسية واجتماعية فريدة بحاجة إلى دراسة متأنية من جميع النواحي، لاسيما وهي ظاهرة بدأت تنتشر فعلا، كما نلمسه في الواقع، في هذا الفكر المنتسب إلى"السلفية"، في منطقة الخليج؟
يا للعجب والله إنه لأمر محير فعلا!!.. لو قصه قاص على الأولين لما صدقوه، ولو تلاه تال على السالفين لكذبوه!
لكن ما هو السبب؟
هل هو حب الدنيا، والركون إليها، وطلب الرفاه،الذي جعلهم ينسون إنتماءهم إلى الأمة، ولايهمهم سوى رفاههم في بلدهم، ولو على حساب الدين، وهي حالة الغثائية التي ورد التحذير منها في الحديث، وليت شعري أي رفاه هذا، إنه مجرد ارتياح لـ"ثقافة الاستهلاك"التي بدأت تنتشر، فهل هذه هي تلك الفتوحات الأمريكية العظمى للمنطقة!!
هل هو جهل أن هدف الدعوة الأساسي هو رعاية الدين، وحماية العقيدة، حتى لو صار الداعي غريبا، وليس مسايرة الواقع، طمعا في مكاسبه، ألم يقل كل نبي {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} .
هل هو خلل في فهم قاعدة تعارض المصالح والمفاسد، في الشريعة الإسلامية، ووضعها في غير موضعها؟!!