أم هو خلل في صميم الفكر في بعض المنتمين إلى الحركة الإسلامية في الكويت نتج عن جعل الشرع تبعا للواقع والرضوخ له، فالواقع أصبح مصدر الحكم الشرعي، لا موضعه!! كما تجد ذلك في فلتات لسان ممثل هذا التيار الإسلامي، فكأنه يقول؛ هذا ما يريده الناس، فإن قلنا بخلافه، تركونا فخسرنا دنيانا! وهكذا فرغوا الدعوة الإسلامية من محتواها، فتحولت إلى أحزاب سياسية همها إرضاء أهواء الحكام، أو شهوات الناس!! ونتج عن النظر إلى مصلحة الإسلام من خلال مصلحة الحزب السياسي، وأسباب بقاءه وتمتعه بنفوذه في البلد الذي يوجد فيه فحسب.
أم هي حالة فصام شديدة، سببها التعارض بين المصالح الحزبية، والمصالح الإسلامية؟! فالمصالح الحزبية أصبحت تمثل مجموعة من التجار"الإسلاميين"المنتفعين بشركاتهم، ومؤسساتهم، ونفوذهم، من الحملة الأمريكية، وكأن لسان حال هذا الفكر يقول: فما المانع أن تكون مصلحة الإسلام، هي مصلحة الحملة الأمريكية؟!! والنصوص الشرعية قابلة للتأويل، فلماذا لا نستفيد من فكرة التأويل - التي حرمناها - لكي نجعل نصوص الشريعة، قابلة للنظام الأمريكي الجديد؟!!
أم هل هي إفرازات انعكاسية نفسية، بسبب الإرتعاب من هذه الترسانة الأمريكية التي تجوب الخليج والعالم العربي؟! فسببت ذهول الفكر عن الرؤية الصحيحة؟!
أم هي مناورات سياسية، لكن جاءت ممن لا يملكون خبرة كافية فيها، فلايتم اختيار الكلمات المناسبة، التي تبقي على التوازن، بين فائدة المناورة، والحفاظ على الثوابت التي تلقى إلى الجمهور لئلا يحدث لديهم إرتباك في الوعي؟!!
أم هذا هو حقا، باكورة ثمرة العولمة أو"الأمركة"، لكنها فاقت التوقعات، فضربت في صميم الفكر الإسلامي، حيث حولته إلى إسلام أمريكاني صرف!!
والحق الذي لاريب فيه أن مجموع ما تقدم هو السبب، ليس لدى كل شخصية مصابة بهذه اللوثة، ولكن مجموع هذه الأسباب مبثوثة في المجموع، وهذا مما يؤكده الواقع مصدقا لآيات الوحي التي تحذر من إزالة معالم فريضة الولاء والبراء، لأن ذلك من شأنه أن يثمر انتكاسا خطيرا في المفاهيم، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أي عرى الإسلام أوثق؟ قالوا؛ الصلاة، قال؛ حسنة وما هي بها! قالوا؛ صيام رمضان، قال؛ حسن وما هو به! قالوا؛ الجهاد! قال؛ حسن وما هو به، قال؛ أوثق عرى الإسلام أن تحب في الله وتبغض في الله) [رواه أحمد من حديث البراء من عازب رضي الله عنه] .
ورحم الله الإمام أبا الوفا ابن عقيل رحمه الله تعالى، إذ قال: (إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة) .
سبحان الله، صدق عمر رضي الله عنه: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) .
أخطر ما في هذه الحالة الغريبة:
أخطر ما ذكره صاحب اللقاء الممثل عن حركة إسلامية كويتية هو:
1)ارتماءه في أحضان أشد الدول عداوة للإسلام، وتأييده عقد الولاء معها!!
2)منح أمريكا صك البراءة مجانا، لا.. بل مقابل محاربتها للإسلام، مما يعني إضفاء الشرعية الإسلامية، لخطط"المحافظين الجدد"في العراق والخليج، في ذهول تام عن خطر استعلاء الكافر
على بلاد الإسلام، فلم ير الناطق باسم هذا التيار الإسلامي، أي وزن لخطورة الارتماء في أحضان الأجنبي على العقيدة الإسلامية، الذي هو نتيجة حتمية لقبول استعلاء قوة عظمى، على الدول الضعيفة.
لقد نطق بأسوأ حكم براءة على أكبر مجرم في التاريخ، وتجاهل تماما خمسة جرائم أمريكية تحملها معها أمريكا إلى العالم، لا تقاس بها جريمة:
1)جريمة التخريب الثقافي، والأخلاقي.
2)جريمة تبني أمريكا عقيدة الحرب الوقائية وخطرها على الأمة الإسلامية خاصة.
3)جريمة إقامة وحماية واستغلال النظام الربوي العالمي للهمينة على الشعوب.
4)جريمة حماية ودعم والمشاركة في جميع جرائم الصهاينة عبر التاريخ.
5)جريمة تبني عقيدة ونهج"المحافظين الجدد"مع خطورتهم على الأمة الإسلامية.
وقد نتج عن ذلك، احتلال ثلاث دول إسلامية، اثنتين تحتلها الجيوش الأمريكية، وهي العراق، وأفغانستان، والثالثة يحتلها الصهاينة بدعم أمريكا. وحماية ودعم الحكام الطغاة أيضا، والهيمنة على الأمة عن طريقهم. وما نتج وينتج عن ذلك من فساد، وسفك للدماء، ومحاربة الإسلام، جرائم لا تحصى، وهي ينبوع مستمر ينضح بالجرائم، كل ذلك آثامه، في رقبة السياسة الأمريكية كما سنبين هذا بالتفصيل فيما سيأتي.
هذا كله، لم يعجب الناطق باسم"التجمع الإسلامي السلفي"! ولم يعده شيئا، ولهذا قال بكل ثقة"أعطني مثالا واحدا على محاربة أمريكا للإسلام"؟!!
والعجيب أنه أيضا، لا يلفت النظر إلى اعتبار أصل الولاء والبراء بتاتا في هذا الباب، مع ما يمليه التحالف الاستراتيجي من أبعاد خطيرة جدا تتعارض والعقيدة الإسلامية، وأحكام الشريعة الإسلامية في علاقات الدول المبنية على أصول الدين.
وقد كان من المتوقع، أن يكون واضحا لدى جميع التيارات الإسلامية في الخليج، أنه من أولى الأوليات، واعظم الواجبات على الحركة الإسلامية، مواجهة هذه العولمة"الأمركة"، وما تمليه من إفرازات خطيرة، على مجتمعاتنا، وأخطر ما فيها أن نتيجتها الحتمية - والتي ستظهر عبر الأجيال بجلاء لو استمرت لا قدر الله - هي ما يلي:
جريمة التخريب الثقافي:
فالأمركة ستعني، انتشار هذه الثقافات المدمرة لا محالة: انتشار ثقافة التبعية، وهي أخطر شيء على العقيدة، وثقافة الاستهلاك، وثقافة المادية، ثقافة عبادة الجنس، وثقافة الجريمة والعنف اللذين هما أخطر جراثيم"الأمركة"، وثقافة التهاون القيمي، أو خلخلة النسق القيمي.
هذا وما أجهل من يظن أن أمريكا لاتهتم بنشر ثقافتها، إنما تريد احترام التعددية الثقافية في إطار الحفاظ على مصالحها المشروعة، وما أجمل ما قاله المفكر الدكتور عبد الوهاب مسيري عن الفكر المادي الغربي بشكل عام: (يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء جميع الأيدلوجيات العلمانية الشاملة - ومثل لها بالليبرالية أيضا - هو ما يسمى"التطور أحادى الخط"UNILINAR، أي الإيمان بأن ثمة قانونا علميا وطبيعيا واحدا للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية تصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس، وهذا ما يسمى أيضا"نظرية التلاقي"CONVERGENC THEORY، والتلاقي هو توجد النماذج كلها بحيث تبع نمطا واحدا وقانونا عاما واحدا، هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مكونا من وحدات متجانسة، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى، ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو هن حق عصر نهاية التاريخ) أهـ [الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ 267] .
وما أصدق ما قاله توماس مان الذي قال عندما رأى استعار الموجه الصهيونية - الأمريكية: (إن عكر العقول والنفعية الفظة والرجعية السياسية والكراهية العنصرية وكل علاقات الاضطهاد الروحي قادمة على الطريق، كما ذكر عنه ذلك موريس مندلسون في"روائيون أمريكيون") .
لقد تجاهل الناطق باسم"التجمع الإسلامي السلفي"، تجاهل تماما دور أمريكا في بث التخريب الثقافي، وتحويل المجتمعات إلى مرتع للثقافة الغربية التائهة.