من الحقائق المسلمة في أسباب هذه الحملة وجود مؤسسات ومنظمات ومجموعات وأفراد من سياسيين وإعلاميين وعسكريين ورجال دين في الداخل الأمريكي متخصصين في تشويه صورة الإسلام والمسلمين بدوافع متعددة وأساليب متنوعة، خاصة مع ما يملكونه من نفوذ وسمعة في عالم الإعلام الأمريكي والإعلام الديني بشكل خاص، ولا سيما أن بعض تلك الحملات على المؤسسات الإغاثية قد ظهرت قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنة ونصف أو أكثر: مقالات ومقابلات متفرقة، ومن هؤلاء على سبيل المثال من داخل أمريكا (استيف أمرسون) ، و (جوديث ميلر) و (دانيال باينز) و (كارل ثوماس) و (ستيف ماكونغل) .
كما يرى المتعصبون من اليهود والنصارى أن الدين الإسلامي يشكل تحديًا تاريخيًا، فالعزف على هذا الوتر حتى وإن لم يكن بدافع التعصب فإنه يحقق أهدافه، وإلى هذا أشار الكاتب الأمريكي (بول فندلي) في كتابه (لا سكوت بعد اليوم) في الفصل السادس (الإرهاب والافتراء) حيث قال: أعرف أن نشر التنميطات المزيفة يمكن أن يخدم المصالح المتعصبة الضيقة، في بعض الأحيان قد تنشأ الصور المزيفة من الحقد، وقد تنشأ في أحيان أخرى من الطموح الجامح على حد قول شكسبير. يضيف الكاتب الأمريكي في موضع آخر من كتابه المذكور حول التنميطات المزيفة عن الإسلام قوله: هناك العديد من المنافقين بين قادة المسيحيين ، لكن الإسلام وحده بين الأديان الأخرى يربط في الأخبار والتقارير والمقالات بالعنف باستمرار، في حين أنه نادرًا ما تذكر ديانة الفاعلين عندما ترتكب أعمال مروعة على أيدي أناس ينتمون إلى ديانات أخرى، فالتقارير الإخبارية لم تشر إطلاقًا إلى المذابح المرتكبة ضد (ألبان كوسوفا) بأنها أعمال قتل ارتكبها الصرب الارثوذكس، وأن البورميين يقتلون بأيدي البوذيين، وأن الفلسطينيين يقتلون بأيدي اليهود فالجناة يحددون روتينيًا بهويتهم القومية، وليس بانتماءاتهم الدينية، إلا عندما يكونون مسلمين إذ لا ينظر إلى مرتكبي العنف المسيحيين بأنهم يشوهون سمعة المسيحية، ولكن إذا ارتكب مسلم إثمًا فإن هذا الإثم يصور كعنصر من عناصر الخطر الإسلامي الداهم على أمريكا، هذه الازدواجية في التعامل هي التي تعزز أخبث تنميط للإسلام، وأوسعه انتشارًا، ألا وهو ربط المسلمين بالإرهاب ( ) .
سابعًا: فلسطين أحد أهداف الحملة:
المتأمل في جوانب تلك الحملة يدرك أن من الأسباب الرئيسية لهذه الحملة الأمريكية القضية الفلسطينية (الانتفاضة - الأقصى) ويلحظ أنها طالت المؤسسات الإسلامية الأمريكية وغير الأمريكية المتخصصة بدعم بعض المدارس والمستشفيات وأسر الشهداء والأيتام والفقراء والمساكين في فلسطين، والتي أثارت أعمالها الإغاثية المؤسسات اليهودية في أمريكا مما جعلها تثير حولها وحول العاملين فيها زوابع من الشكوك والخوف والذعر. كان ذلك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما أورد هذا الكاتب الأمريكي (بول فندلي) في كتابه (لا سكوت بعد اليوم) ، حين نقل تأكيد (أمرسون) أن كل المنظمات الإسلامية تقريبًا القائمة في الولايات المتحدة، والتي تعتبر نفسها إسلامية وواقعة في قبضة العناصر الراديكالية، يتعاون بعضهم مع بعض عبر الدول، فسلسلة الأصوليين الإسلاميين تمتد من القاهرة والخرطوم حتى بروكلين، ومن غزة إلى واشنطن ( ) .
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتم استثمارها لصالح تلك الجهات، حيث كان إقفال بعض المؤسسات الإسلامية، مثل مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية (holy land foundation) في ريتشارديسون بولاية تكساس وفروعها في كاليفورنيا ونيوجريسي والينيوي، وقد أشارت صحيفة الزيتونة الأمريكية أن الرئيس جورج دبليو بوش أمر بتجميد المؤسسة المذكورة يوم 4/12/2001م والذي تعتبره الصحيفة هدية للحكومة الإسرائيلية ( ) ، وبقرار سياسي أعلن فيه الرئيس الأمريكي نفسه عن الأسباب وأنها دعم أسر وأبناء حماس والجهاد الإسلامي، وبهذا القرار غير القانوني تم إغلاق أكبر مؤسسة إسلامية على الساحة الأمريكية تقوم بدعم المحتاجين في فلسطين مع تجميد ممتلكاتها، وحدث مثل ذلك لمؤسسة النجدة الإسلامية (global relief foundation) ولنفس الأسباب،كما انتقلت الحملة إلى فلسطين حيث تم إقفال مجموعتي التمويل وهما (بنك الأقصى العالمي، ومجموعة بيت المال الاستثمارية) ، ومقرهما الأراضي الفلسطينية ( ) ، وتبع ذلك إقفال بعض المؤسسات المعنية بدعم الفلسطينيين في أوروبا وغيرها مثل ما حدث لـ (جمعية الأقصى الخيرية) في آخن بألمانيا، وأصبح أكثر من 60% من الشعب الفلسطيني تحت خط الفقر بسبب الحصار العالمي على المؤسسات الخيرية المعنية بالشعب الفلسطيني، كما تشير إلى ذلك إلى بعض التقارير الرسمية والأهلية ( ) .
كما يؤكد الكاتب والباحث الأمريكي بول فندلي سيطرة قوى الضغط الخفية وأنها وراء تلك الحملات والتنميطات المزيفة حيث اعتبر أن من العوامل التي تبقي الصورة المزيفة عن الإسلام حية ذلك النشاط الحثيث في واشنطن، الذي تبذله جماعة الضغط لصالح المساعدات الأمريكية لإسرائيل .. وفي سياق هذا الضغط غالبًا ما يكون شبح الإرهاب المدعوم من المسلمين، هو الموضوع المتكرر، إذ يستخدم لتسويغ ممارسات الدولة اليهودية القاسية ضد الفلسطينيين ذوي الأغلبية المسلمة ولتبرير اعتداءات إسرائيل العسكرية الدورية على لبنان، حيث تسود أيضًا أغلبية إسلامية، إن صورة الإرهاب هي الأساس الذي تستند إليه إسرائيل في مطالبتها بمساعدات أمريكية منتظمة من الأسلحة المتطورة، ومن المال لتعزيز دفاعاتها ضد هجوم محتمل بالصواريخ من جانب سورية والعراق وإيران، وغيرها من الدول ذات الأغلبية الإسلامية ( ) .
لقد أشار الأستاذ فهمي هويدي إلى الارتباط بين تلك الحملة والقضية الفلسطينية بقوله: نجحت الحكومة الإسرائيلية في استمالة القيادة الأمريكية وإقناعها بأن قمع المقاومة الفلسطينية هو جزء من الحملة ضد الإرهاب وهو ما ترتبت عليه نتائج جسيمة عدة تصب في مجرى محاولة الإجهاز بشكل نهائي على المقاومة الإسلامية في فلسطين، ومن تلك النتائج ما يلي:
• إطلاق يد رئيس الوزراء الإسرائيلي في افتراس الشعب الفلسطيني والتمثيل به من خلال تدمير البيوت والزراعات وشل المرافق وقصف السلطة الفلسطينية وخطف الناشطين واغتيالهم وترويع الآمنين حيثما وجدوا، الأمر الذي أدى من الناحية العملية إلى نسف كل محاولات اتفاقات السلام خلال السنوات الثماني الأخيرة!!
• في التصريحات الرسمية: اعتبرت واشنطن أن ما تفعله إسرائيل هو نوع من الدفاع عن النفس وبذلك ابتدعت ولأول مرة حق المحتل في الدفاع عن استمرار احتلاله وهو موقف مدهش لأنه على النقيض تمامًا مما تعارف عليه المجتمع الدولي بقوانينه واتفاقياته وأعرافه التي أقرت للذين احتلت أراضيهم بالدفاع عن أنفسهم بكل الطرق.
• أعلنت واشنطن أن حركتي حماس والجهاد منظمتان إرهابيتان وبالتالي صادرت أموالهما واستباحت دماء أعضائهما على الأقل من وجهة النظر الإسرائيلية، وشملت بتهمة الإرهاب كل من ساعد المنظمتين أو آوى أفرادهما، وهذه هي المرة الأولى التي تصنف فيها المقاومة الإسلامية رسميًا ضمن المنظمات الإرهابية بقرار يرتب إجراءات عملية لمحاولة تصفيتها.